الصفحة 48 من 171

وقراءة الالتزام وقراءة الفعل، ولا يوجد قط قراءة بمساحتها ورحابتها، فإنها شاملة لكل الإنسان، وعقلاء البشرية هم قوادها في العلم والمعرفة، وهم الأكثر تأثيرًا على الإنسان ولا يوجد أحد أثَّر تأثير الأنبياء وأتباعهم في هذا التاريخ الطويل، لكن سبب كُره هؤلاء للقراءة الدينية لأنها كاشفة لإرادتهم المحطمة ولالتزامهم المفقود وهروبهم من أعظم غرائز البشر رقيًا وهي غريزة التعبد والفقر لله تعالى.

ولكل قراءة متعتها ورحلتها، فقراءة الفكر المجرد رحلة أخرى، تصنع لك أبعادًا ذهنية من الوعي والإدراك، وتُطلقك في فضاءات قاصرة فقط على صناعة الحرف والكلمة، لا يمكن صناعتها من أي شيء آخر يمارسه الإنسان من فنون كفن الرسم والنحت والبناء والتصوير، ويكفي الكلمة جلالًا في هذا الباب أن الله تعالى بعظمته وجلاله وقدوسيته وسبوحيته وهو فوق الإدراك وفوق التخيل والتوهم، عّرَّف نفسه لعبيده عن طريق الكلمة، وأبلغت المراد وحققت أجلى العلم وأوضحه وأرقاه.

اقرأ قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} .

اقرأ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

اقرأ قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

كلمات تعلِّمك وتؤدّبك وترقّق نفسك وتصنع لك حب الموصوف وعظمته وجلاله فتقشعر لجمالها وجلالها، فهل هناك أروع من التقاء الجمال والجلال؟

سُبُّوح قدوس رب الملائكة والروح.

مع القراءة يكون الطرب وتكون النشوة، تهزك الكلمة الجميلة برونقها، وتعجبك من جمال صناعتها وعمق وتصورها، وتتساءل كيف صنعها صاحبها؟!

انظر إلى قول عنترة في معلقته:

وَخَلَى الذُّبَابُ بِهَا فَلَيسَ بِبَارِحٍ ... غَرِدًا كَفِعْل الشَّاربِ المُتَرَنّمِ

هَزِجًا يَحُكُّ ذِراعَهُ بذِراعِه ... قَدْحَ المُكَبِّ على الزِّنَادِ الأَجْذَمِ

ألا تطربك هذه الكلمات؟! ألا تهزك؟! لقد صدق من قال:"أن هذا التشبيه الذي قاله عنترة -ومعنى عنترة الذباب الأزرق- لم يستطع أحد بعد ذلك أن يقلده".

وقف أبو العتاهية لينشد المهدي يوم توليه الخلافة وهو على المنبر فقال:

أَتَتْهُ الخلافة مُنْقَادةً ... إليه تُجرِّرُ أذيَالها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت