عائشة، فتسمو مع هذا الفضل، وتشعر أنها كانت مع ركن عظيم هو الذي يستحق الثناء وحده، فتبكي وتضحك ويرتعش بدنك مقشعرًا وهي تقول:"والله لا أحمده ولا أحمد غيره، ولكن أحمد الله وحده".
وتحبها لعزة نفسها ودلالها على حبيبها، وأعمق من ذلك كله أنها تعرف موقعها من الحياة؛ موقع العبودية لله تعالى، ويرتد الحوار ملتفتًا إلى حبيبها وزوجها، فتدخل الصورة هناك، صورة لا تبكيك أبدًا، بل شيء آخر لا أدريه على وجه التحديد، لأنها صورة العظمة الإنسانية المُمتَحنة، لكنها راسخة، تعاني وهي ثابتة، كالجبال تحسبها جامدة وهي تمر مَرَّ السحاب.
يقف - صلى الله عليه وسلم - بين الناس وهو يعلم أنه أحبُّ إليهم من أنفسهم ويقول:"من يعذرني في رجل يؤذيني في أهلي؟!"، يا الله أي عظمة هذه؟! وأي إنصاف هذا؟! وأي حنان هذا؟! وأي انفعال إنساني هذا؟!
فليس هو بالملك، وهو أكبر من كل السلاطين والملوك.
وليس هو بالضعيف، وهو أرق وأصفى من كل البشر.
وتكتشف نبوَّته أولًا وحبه لزوجته ثانيًا، ذلك الحب الذي يقبل الدلال الراقي الرفيع وهو يبتسم راضيًا لقولها:"والله لا أحمده ولا أحمد غيره، ولكن أحمد الله وحده".
فيبتسم ابتسامة الرضى لقولها، فما حياته ولا جهاده ولا هدفَ له في الحياة إلا أن يحمد الناس ربهم.
وتذهب الرحلة بك إلى غضب شديد نحو أعداء هذه الأم العظيمة، مَنْ أظلمت قلوبهم واشتد عليها الران، فاتخذوا عداوتها دينًا والكذب عليها طريقًا.
إن القراءة رحلة الاشتباك، رحلة الإنسان كله، رحلة العقل والروح والعاطفة والتأمل مع الصور المعقدة المتشابكة، وإنها في بعض جوانبها رحلة أعمق من شهود الحدث نفسه، فإن الشهود العياني للحدث في أغلب الأحيان لا يُحقّق لك التأمل العقلي لأنك غارق في المتابعة البصرية، مشدود إلى الأجزاء، وقد يتأخر التأمل العقلي، بل الأغلب أنه يتأخر، لكن مع القراءة الحال مختلف، فالصورة تتجرد عن زوائدها، وتبرز معالمها المعنوية حضورًا طاغيًا.
حين تريد رحلة المتعة العلمية نحو العلاقة الظاهرة بين الرجل والمرأة مع زمن متقدم، اقرأ حديث"أم زرع"من (صحيح البخاري) ، وهناك ستشتبك مع حبال متعددة تحاول الخلوص من الحرف والكلمة بوعي لغوي، ثم الخلوص إلى الصورة لتتجرد أمامك، ثم التفاعل معها لتتذوقها، ثم الخروج منها لتدرك وعيًا علميًا يتلاءم مع قراءتك لكل ما قاله وسمعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن قراءة هذا الباب من الكتب له مساحات أعمق وأوسع من كل قراءة أخرى؛ لأنها قراءة التعبد والوعي في أجلى صورة.
مع أن الجهلة الأغبياء من أعداء القراءة الدينية يظنونها قراءة عرجاء لا فَهْم فيها ولا إدراك ولا تفكر ولا حوار ولا مراجعة، وهذا من جهالاتهم؛ فإن القراءة الدينية قراءة المتعة وقراءة الوعي