الصفحة 18 من 171

يدرك كاتب هذه الكلمات أن العداء للقراءة له جذوره الدينية والسياسية في غير أُمتنا، وأن العداء للكتاب وقراءته له تاريخ أسود قاتم طويل في الغرب والشرق عند غير المسلمين؛ فالكنيسة الكاثوليكية -وهي التي كانت تسيطر على الغرب- كانت تُحرِّم النظر في أي كتاب طبي أو رياضي، وأما كتابهم المقدس فلا يجوز تفسيره لأي أحد سوى السَّدنة الكبار، وكم خرجت من مظاهرات شعبية محتفلة بحرق الكتب وإهانتها كما فعل النّازيون في ألمانيا مرددين أن الحذاء أولى من الكتاب. وهناك المئات من القرارات الحكومية المحرِّمة لنوع من الكتب أو المجرِّمة لكاتب من الكتاب، والغرب في هذا يحوز قصب السبق بلا منازع لمن قرأ تاريخه ووعاه؛ لكن كل ذلك لا يعفينا أنَّ أُمتَنا عانت من وطأة كُره القراءة وهجرانها وما زالت كذلك، وأنَّ أمة متَّسعة الأركان بهذا الاتساع لا يمكن طباعة كتاب فيها -مهما علا شأن صاحبه- أكثر من ثلاثة آلاف نسخة لَشيء يثير الحزن والألم مع العجب والاستنكار.

إن الوصول إلى هذه الحالة العجيبة ليس وليد اليوم، بل مرَّ خلال تعاقب تاريخيّ مُتتالٍ؛ فإن البؤر الضيقة التي كانت في المجتمعات الإسلامية الداعية إلى الجهل بدأت تتّسع وتكبر حتى غلبت علينا وصارت هي الطاغية الحاكمة، وها هنا صورتان متضادتان:

-الصوفي يرى محبرة في يد مريد من المريدين فيصرخ فيه: استر عورتك.

-وَيُرى الإمام أحمد بعد شيخوخة يحمل محبرة في يده مسرعًا الخطى إلى مجلس علم فيُقال له: وإلى الآن يا أحمد؟! فيقول: مع المحبرة إلى المقبرة.

كانت الصورة الثانية هي صورة الأمة في حركتها وذهابها وإيابها، في حلها وترحالها، ترتفق الكتاب وتتأمله، تصطحبه معها في السفر الشاق البعيد، وتجعل الكتب في عدة المرأة إن تزوجت جزءً لا يتجزأ من وجودها وفرحها، والنساخ يتبارزون في الإنتاج والتجويد، صورة رائعة فريدة متألقة، يأوون إليه حين تلقى عليهم ستائر الراحة، وينشر بين أيديهم في مجالس السمر، ويتفاخرون باقتنائه افتخار الجوهري بدرره ولآلئه، فهو عنوان العالم والذكي والحاكم والغني.

ولم يُترك الكتاب عبثًا بلا ضوابط، بل كان له منها نصيبٌ من صوارم الضوابط يحفظه من التزوير والتبديل والتصحيف، ويُقام فيه شواهد صحة النِّسبة لقائله وراويه ومالكه، ويترك للقارئ حواف وهوامش يُنفِّس له فيها عن حواره معه، ونصحوا الكاتب بأمور تتعلق بالرسم والحرف والغَلط والاستدراك والعناية والمذاكرة علاوة على تحليتها وتزيينها، كل هذا وغيره لم يصل إليه شيء في تاريخنا من العناية والرعاية والضبط، فلا الجواهر الثمينة لها قريب من هذا، ولا الأسلحة مع أهميتها، ولا الثياب، ولا الأبنية؛ لأنهم علموا أن الكتاب هو أُسّ وجودهم وهو عنوان حضارتهم؛ فوجودهم مرتبط بالرسالة وأدائها بوضوحها العلمي وبيانها الأخلاقي وجوهرها القائم على العبودية لرب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت