الصفحة 19 من 171

داخل هذا البناء الشامخ الجميل المتين غزت طلائع وثنيّة وافدة متقنِّعة بالتعبد والنسك والزهد، حانية على الجهالة المركَّبة أنها تدرك سر الوجود وحقيقته الخفيّة، مقتطعة البناء بصور متعددة قوامها"الباطنية"التي خفيت على الكل إلا هم وسادتهم، وغزت أول ما غزت أسلوب العلم وطريقته؛ فالكتاب وأدواته من قلم ومحبرة عورةٌ وخطيئةٌ يمارسها أهل الظاهر المحجوبون عن العلم"اللَّدُنّي"الخفي، ولم يطُل الأمر في عمر الوجود حتى صار لهؤلاء دول وممالك، فصار المغرب لهم وكذا جزيرة العرب ومصر وأجزاء كبرى من الشام، وأطراف الجزيرة من البحرين واليمن، وتحصنوا بالقلاع، وجنّدوا الأغرار الجهلة يتخذونهم مطايا بالخداع والمكر، ولم يكن لهذه الباطنية من طريقة توقف مدَّها الجاهل إلا بالمدارس التي قادها نظام الملك السَّلجوقي والتي سُميت باسمه"المدارس النِّظامية".

ولكن هيهات أن تعود الجدة العلمية كما كانت عند الأوائل؛ فإنه وإن قُضي على تلك الممالك والدول؛ فإن صُروف الحياة وتقلُّب السلطان آلت إلى انشغال الناس، وتباعد البلدان، وضعف الحواضر المدنية، مع هجمات خارجية توالت صبَّت حقدها على العلماء وكتبهم حتى كان من هجمة التتار أن مُلئ أحد النهرين الكبيرين في العراق بالكتب وأحبارها، وصارت ألوانه بلونها.

والعلم يحتاج إلى الاستقرار والأمن، ولكن في واقع الأمر لا أمان ولا استقرار. حتى آل الأمر إلى سلطان العجم من الترك الذين لم يقيموا للعلم سوقًا، بل كان عماد اهتمامهم وتوجههم للقوة فقط، فلسانهم غير لسان العلم الذي تنطق به الأمة وعلماؤها، ولم يُعرف عنهم قط أنهم اهتموا بمدرسة أو معهد، بل شغلهم الجند والقتال، والفاضل فيهم من يتعبد على مذهب المتصوفين ومعارفهم، وأما النصر العلمي فهو نصف نصر إذ التقى العلم مع الجهل في وسط الطريق، فلم تنحسر الباطنية كلها بل انحسر نصفها وبقي جزؤها الآخر من خلال التصوف وفقهه ومعارفه، فلم يأنف العالم أن يكون صوفيًا يرى أن الشرع بالعلم والحقيقة بالجهل، فالكتاب لأهل الظاهر، ولكن للواصلين إلى الحقائق الكشفية غير طريق الكتاب، هذا في الصفوة، أما مجموع الأمة؛ فإن حفظ القرآن دون قراءته هو حد المعرفة ولا مزيد، وأما الكتاب الذي يُقرأ ليحصل به العلم فلا وجود له، وتلاشى القرآن ككتاب يُقرأ ليهدي ويرشد ويقوِّم، وبقي فقط ليجوَّد وتردِّده الشفاه.

وانحسر الحديث حتى عند أهل العلم إلا من أجل البركة فلا دور له حتى في الفقه، إذ الفقه له مصادره الأخرى من المتون وغرائبها وافتراضاتها العقلية العجيبة، وإذا كان الحديث حُسِرَ عن أهم مطالبه -وهو الفقه- بين يدي العلماء؛ فما بالك في غير ذلك من الدروب والمسالك الحياتية والعلمية، وإذا أخرج كتاب من كتب الحديث لقراءته؛ فإنما هو للبركة حينًا أو لرد غوائل الدهر حينًا آخر، فالبخاري يصلح لرد عدوان المعتدين وجيوشهم، والآيات لرد خطر الأمراض وإبراء الزُّمنى والصرع والعصاب العقلي، وهكذا كنت تسير في نهاية دولة بني عثمان في مئات القرى في الإقليم الواحد لا تجد من يتقن القراءة والكتابة -أقصد معرفة صور الحروف فقط-، فانتهى أمر الأمة من قوم كانوا يرون المحبرة عورة إلى أن كُشفت عورة الأمة على صورة من الجهل يخجل الناظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت