إليها، وصاروا كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} ، فعادت عليهم عوادي الأمم السابقة، ونخرت فيهم الأمراض حتى استفاقوا على انهيار كامل لبنيانهم تحت ضربات قوم لم يملكوا شيئًا من الخير سوى البارود الذي أرادوه لتنفيذ جهالاتهم وسعارهم ضد أمتنا.
خلال هذه الرحلة نشأت الأمراض واستقرت مفاهيم مغلوطة مصاحبة لأوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية مَرَضيّة كذلك، وكلها تكاثفت على صنع إنسان لا يرى القراءة شيئًا، ولا حاجة له بها ولا أهمية لها، وإن أراد فدونها عوائق داخلية من أمية تتراوح درجاتها بين أمية الحرف إلى أمية الكلمة إلى أمية الفهم والإدراك وغيرها من صور الأمية التي قالها الله في كتابه: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} ، حتى إن أحد الباحثين اكتشف مؤخرًا عائقًا مهمًا وخطيرًا يمنع الأمة من القراءة وهي"العامية"التي هي واسطة الإبانة اليومية واختلافها عن واسطة الإبانة في الكتب مما يُشكِّل لدى الإنسان العربي فجوة بين ما يفهمه وبين ما هو موجود في الكتاب؛ فيشق عليه ذلك فينِزع للهروب والهجران.
أعمق من ذلك كله هو الهجوم الشرس على مكونات ثقافة الأمة ونثر العوائق أمامها كخيالات وأوهام تكون حواجز نفسية بين الإنسان والكتب، ومن ذلك:
-اتهام هذه الثقافة بالصعوبة والعسر، فهي لا تصلح إلا للمتخصّصين، فالشِّعر لا يمكن فهمه وصعب الإدراك، فهو مجرد طلاسم وألغاز لا يمكن لغير المتخصص فهمه وإدراك مرامي أصحابه وبالتالي لا يمكن تذوقه الجمالي، وكذا كتب التاريخ والفقه والحديث والتفسير وغيرها، كتب لا يمكن قراءتها لتحقيق المعرفة والمتعة؛ لأن أي عمل لا يحقق المتعة فلا بدّ من النظر في فائدته وجدواه، وهذه لا متعة ولا جدوى، فَلِمَ يبذل المرء ماله ووقته ويفارق بعض لذائذه وصلاته من أجل هذا الأمر الشاق والمتعب؟! فهجرانها أولى وأروح للنفس والعقل والمال، ولو دعوت أحدًا لمجرد التفكير في هذا الأمر لأدرك كم من الوهم يعيش معه ويتلبَّسه، وفي مرات كثيرة كنت أقرأ لأحدهم قصيدة فلا يلبث أن يسألني عنها لتمتعه بها وتذوقه لجمالها، أين هي هذه القصيدة وأين أجدها؟! ولا يدري صاحبي أنها في كتاب كنت أقرأ فيه قبل قليل ملقى في بيته لا يأبه له ويرى أن فتحه يحتاج إلى طاقة غير متوفرة فيه.
لا أنكر أن بعض الكتب عسيرة على غير أهلها، لكن ليس الأمر لهذه الدرجة من الوهم القابع في نفوس هذه الأمة، وإنه بقليل من السؤال والبحث سيكتشف القارئ متعة المحتوى وروعته وأنه يستحق هذا العناء والذي هو أقل من معاناة كثير من المتع الحياتية التي يمارسونها.
الشعر مثلًا مع وجود بعض وحشية الغريب، لكن في أغلبه سهل ميسور، حتى الشعر الجاهلي، فإنك إن أزلت غرابة بعض الأسماء -كأسماء الأماكن أو النباتات أو الحيوانات-؛ تجده مفهومًا يمكن