تذوقه والاستمتاع بجماله وروعته، وها هي أُمّات الشعر الجاهلي؛ الطوال المعلقات يمكن فهمها بسهولة بعد بعض الجهد والاستعانة بشرح الأماكن والأسماء، مع التنبيه أن الشعر لا يمكن التمتع به إلا بالقراءة الإنشادية وليس بالقراءة الصامتة كما سيأتي في طقوس القراءة، إذ الإيقاع والموسيقى جزء أصيل من أسس الجمال فيه، والدراسة الجماعية تعين المبتدئ في ذلك وتفتح له الطريق.
هذا في الشعر وهو أشق ما يعاني منه القراء ويستثقلونه، فكيف بغيره؟!
لنرى بعض المقاطع من المعلقات والتي يعتبرها الكثير اليوم أشبه بالطلاسم التي لا يمكن حلها ومعالجتها وفهمه، ا لنرى سهولتها ويسرها وروعة التصوير، أما الموسيقى والإيقاع فهذا يمكن للقارئ أن يمارسه بنفسه مع أهله أو إخوانه حين تضبط بطريقة صحيحة في النطق والتلفظ.
يقول طرفة بن العبد في معلقته:
لِخَولةَ أطْلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وُقوفًا بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم ... يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ
كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً ... خَلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ
عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيْنِ ابْنَ يَامِنٍ ... يَجُورُ بها المَّلاح طورًا وَيَهتدي
يَشُقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَا ... كما قسَمَ التُّربَ المُفايِلُ باليَدِ
إن علمت أن"خولة"هي اسم حبيبة الشاعر، وأن"برقة ثهمد"اسم مكان، وأن"المالكية"نسبة إلى بني مالك والذين هم جزء من قبيلة كلب، وأن"دد"اسم مكان، وأن"عدولية"نسبة لقبيلة عدولي في البحرين، و"ابن يامن"رجل من رجالها، فماذا بقي فيها من صعوبة لفهم مراد الشاعر؟!
فكلمة"الأطلال"ما زال الناس يستخدمونها ويتفنَّون بها، و"الوشم والمطايا وخلايا والسَّفين -جمع سفينة- والحيزوم"كلها كلمات متداولة معلومة، وربما يشق على البعض كلمة"حدوج"وهي الهودج أي مراكب النساء، و"حباب البحر"هو عباب البحر أو الماء وهي الأمواج. و"النواصف"هي ما كان حول الأودية من الطرق وغيرها. و"المفايل"هو اللاعب بالتراب. فهل يشق على المرء بعد ذلك إدراك مراد الشاعر في تصويره لما يحس ويرى؟!
فهل معانيه غامضة كما يتصور الناس ويتخيلون؟! وهل هي طلاسم معقدة وسرٌّ غامض؟!
أما معلقة زهير بن أبي سلمى فهي أوضح في معانيها من شروط العقود التي تكتب في عقود الإيجار، ولم أقل عقود التأمين لأنها شاقة على المتخصصين، وإن الكثير من معلقة زهير ما لو قُرئت على عامي لتمتع بها وطرب لها لحكمة القول فيها، اقرأ قوله:
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش ... ثَمانينَ حَولًا لا أَبا لَكَ يَسأَمِ