ومع ذلك فالمرء يتمتع مع هؤلاء في كتبهم، وكتب ميخائيل عندي خير من كتب جبران، وشعر إيليا خير من شعرهما.
فكان مما ذكره ميخائيل في كتابه عن جبران أن جبران عندما قرأ نيتشه بدأ يشعر بزهو الإنسان الخارق، وفي تلك اللحظات بدأ يكتب بهذه النفسية ويرسم بها، ويتحرك إنسانيًا بها، وفي الحقيقة هذا من خدع القراءة؛ فإن بعض الكتب تعطيك شعورًا زائفًا من الخيال قد تنسى فيها حقيقتك، وإن اطردت أمرضتك وأفسدت عليك الحقائق الحياتية؛ ذلك لأن بعض الكتب فيها سطوة هائلة تجعل القارئ أسيرًا لها بالكلية، وهنا تأتي أهمية القراءة الناقدة؛ وهو أن تجعل بينك وبين الكتاب حاجزًا، هذا الحاجز الذي لا يجعلك تذوب مقابله أو تلغي نفسك معه، فتذكر دائمًا أنك لست الذي في الكتاب بل أنت القارئ المراقب، تنظر وتتمعن وتصفّي وتختار وتقرّر، فلك شخصية مستقلة يجب أن تمنعك من التحدث على طريقة الممثل الذي يعيش الآخر ماحيًا نفسه ملغيًا لوجوده وشخصيته.
القراءة صراع بين الكاتب وقدراته وبين استقلالك، هذا في القراءة الإنسانية، فالكاتب يستخدم كل فنون السحر الكتابي ليمحوك في داخله، يأسرك، وبمقدار وَعيك على ذاتك واطمئنانك لقناعاتك تكون قارئًا تُجدد وتُنشئ وتحاور.
هذا لا يعني أن تحضّر نفسك للطعن والرد فتكون سيِّد"لا"تقولها بحق وباطل، كما وقع مع أحد كبار أئمة اللغة حين قابله رجل فسأله مسألة فقال العالم:"لا أدري"، فقال السائل:"أخطأت"، فتعجب الحضور، فأفهمهم العالم أن هذا الرجل خرج من بيته يريد تخطِئتي لا غير، فلم يدرِ ما أقول حتى قال:"أخطأت".
وبعض الناس -وهم اليوم كثير- يعيشون مرضًا طفوليًا؛ فالطفل عندما يبدأ إدراك ذاته يُكثر من قول:"لا"، فما إن تطلب منه طلبًا حتى يُسارع إلى"لا"، وما ذلك إلا لمحاولته إثبات شخصيته، وبعض الناس تكبر معهم هذه الطفولة، ويصبح شخصًا لا يُطاق.
القراءة ليست ذوابانًا في الآخر، وليست إزالة له، بل هي وعي على الذات ووعي على الآخر، ولكن مما لا شك فيه أن مواصفات الكتاب الجيد هو الكتاب الذي يقدر على سرقتك، وهي سرقة لا توجب القطع كما قال جرير.
إن قرأت رواية فتذكر أنك لست بطلها، ولن تستطيعه بتجريده الذي أبرزه الكاتب لك، بل حياتك أعقد بكثير من واقعه.
إن قرأت فكرة فلا تنظر لجمالها الشعري الذهني بل أنزلها من علياء التجريد إلى ضيق الواقع وحقائقه.
إن قرأت في (البداية والنهاية) لابن كثير فلا تختزل الحياة وتاريخ أمتك في خليفة جاء وخليفة قُتل.