الصفحة 114 من 171

إن قرأت كتاب الشيخ عبد الله عزام (آيات الرحمن في جهاد الأفغان) فلا تتوهم أن هذه هي حياة الجهاد، فهذه مُلَحُها لا أصلها، وإلا فحياة الجهاد شيء آخر تستعصي على التبسيط.

إن قرأت (ليون الأفريقي) لأمين معلوف فتذكر أنه لم يجد شيئًا من الحكمة في روما يكتبها في الرواية التي افتتحها بأنه وجد الحكمة فيها، وتذكر أن أمتنا ليست فقط"عام التمائم"و"عالم النوادب والمفتشين".

فالقراءة مقصودها التقاط لمحات قد تبدو متباعدة ومستقلة، ودورك أنت أن تملأ هذه الفجوات، وتجمع هذه المتفرقات، وذلك من خلال بصرك بالحياة، فالحياة هي الأصل، هي الحقيقة، هي السنة الجارية، هي أنت، وأما ما في الكتب فهو إيقاف للصور السريعة التي لا يمكن أن تكون إلا بما قبلها وما بعدها، وحينئذ قد يقع خداعك بإمكانية حصول هذه الصور من غير ألمها وتوابعها ومقدماتها الحقيقية، وهذه أكبر خدعة يقع فيها القراء، القراء جميعًا بل ربما قارئ الكتاب المتدين غارق فيها أكثر من غيره؛ فهل هذه الصور الرائعة والحاضرة في الكتب عن عصر الجهاد الأول -الفتوحات- أو عن جهاد المسلمين ضد الصليبيين تحمل الصورة كاملة؟!

حين يقع القارئ المتدين في أسر هذه الصور المثالية معزولة عن واقها وينظر إلى واقعه الذي فيه عين المقومات الأولى من قضية الجهاد في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان؛ فإنه سيتجنى في الحكم على هذا الواقع ونزع صفة الشرعية عن هذا الجهاد من خلال نفسية الطهر المثالية والتي صنعت من هذه الصور المعزولة.

في الجهة المقابلة هناك من يأتي ويجمع الهوامش الحياتية اللازمة للإنسان، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون) ، ويعممها على تاريخ أمتنا في كل العصور من الراشدي إلى اليوم؛ ليبرر إفساده وفساده في الأرض كما يفعل المستشرقون والرافضة في كتاباتهم ن تاريخنا.

الصورتان وهميتان؛ الطهر المطلق والفساد التام، كلاهما لا وجود لهما في الحياة، إنما يختلطان في كل أطوارها، ويكون الزمن فاضلًا إن غلبت حسناته سيئاته، ويكون سيئًا إن غلبت سيئاته حسناته.

هذه الخدع في أحيان تكون مقصودة من قِبل الكاتب، وهذه منتهى الخيانة القلبية والفعلية؛ لأنه سيضطر للكذب والإلغاء والتضخيم، ولكن قد لا تكون مقصودة لأن حقائق الكتابة تقول:"لا نص إنساني كامل في الدنيا"، وكما قال الشافعي -رحمه الله تعالى-:"أبى الله أن يتم إلا كتابه"، وهذه أمانة الكلمة، كما قال السلف:"أهل البدع يذكرون ما لهم، وأهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم"، وكفى بالمنهج القرآني هداية حيث ذُكر فيه: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} عن نبيه الحبيب، وذكر فيه: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} ، وهذا هو العدل الذي قامت السماوات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت