فهرس الكتاب
لقد ذُهلت لأول وهلة وأنا أقرأ لكاتب ملتزم مثل با كثير -رحمه الله- في (حلم نابليون) صورة الشيخ المهترئ الذاهب مع خصمه بسبب مصالحه وشهواته، صورة قدمها في المسرحية وهو يخفي بذكاء عجيب صورة الأمة التي تحطم حلم نابليون وأوهامه في بلادنا، لكن الواقع يؤيده ويشكر له أمانته. ومثله غسان كنفاني -العاشق لفلسطينيته وقضيته- لا يستنكف أن يكتب صورة الفلسطيني المنكسر كما يكتب الفدائي المنتصر، وإن واحدًا يكتب في فترة متقدمة قصة (عائد إلى حيفا) بمثل هذا الوعي على التغير الاجتماعي والإنساني للفلسطيني تحت الحكم اليهودي، هو إنسان يستحق الإكبار بحق. وعلى الرغم أن قصة غسان كنفاني (رجال في الشمس) هي الأشهر لما فيها من صورة المأساة، والدلالات الرمزية العميقة، كما ذكر ذلك إحسان عباس في مقدمة الأعمال الكاملة لغسان، إلا أني أعتقد أن قصة (عائد إلى حيفا) فيها من الاستبطان العميق والاستشراف المبني على فهم رائد لحقيقة الإنسان وتحولاته تحت الظروف المتغيرة ما تجعلها قصة علمية أكثر من غيرها، الواقعية التي تزيد عن واقعية"تشيخوف"بعلميتها التي أراد النقاد جعل غسان ظلًا له فيها، ولا أنكر أني كلما قرأت لتشيخوف وقفت إكبارًا.
هذا الحد الفاصل بين الحياة والكلمة إن اكتشفناه وأحضرناه تخلصنا من إسار القول: إن المفكر لا يصلح أن يكون إداريًا، سياسيًا، أو عسكريًا، كما هو رأي جوستاف لوبون في كتابه (روح الاجتماع) ؛ حيث يرى الافتراق بين أهل النظر والفكر والرأي، وبين أهل العمل والفعل والإقدام، وكما هو شائع اليوم في الوسط الإسلامي في التفريق بين الفقيه والسياسي، كما حكم بذلك ابن خلدون قديمًا في مقدمته، حيث جعل فصلًا بأن العلماء أبعد الناس عن السياسية ومذاهبها، وذهب يبرر لها تبريرًا منطقيًا مستمدًا من المنطق الصوري لأرسطو، وهو المنطق الذي يجعل الطريق الوحيد لحصول التصورات هو"التعريف يساوي الحد"، والذي يقال له هنا"الكليات"، ولو أعدنا الاعتبار لمعنى الفقيه وهو أن أفضل طريقة لحصول التصورات هو المثال كما منهج النبوة من قرآن وسنة لخرجنا من هذه الثنائية النكدة.
وإنه مما يُمدح لابن خلدون في هذا الفصل أنه طعن في المنطق الصوري الأرسطي، وعدَّه غير مأمون الغلط مع أن أصحابه يعدّونه عاصمًا من الغلط العقلي، كما أن النحو عاصم من الغلط اللفظي، بل إن ابن خلدون بهذا الفصل أرسى بكلمة واحدة أسس اليقين في أحكام الوجود وقال:"وصور المحسوسات حافظة مؤذِنة بتصديق انطباقه"-أي انطباق كليات المنطق على أفراده-، ويحتاج كلام ابن خلدون إلى شرح معادلة القياس الأرسطي وحدِّه لإدراك معنى كلامه، وليس هذا موطنه.
وقد استوفى ابن خلدون كلامه في نقض المنطق في مقدمته في فصل"إبطال الفلسفة"بكلام رائع حوى على الكثير الذي يدل على وفور عقله وعلمه، والحق أن (المقدمة) مع كثرة المتكلمين عليها إلا أنها تحتاج إلى كثير من الدراسات، وخاصة من أهل الإسلام، وشكر الله للدكتور عماد الدين خليل في دراسته التي أعادت ابن خلدون -بحثًا- إلى هذه الأمة.