الصفحة 116 من 171

الذوبان في داخل الكلمة خطأ وجريمة ضد الوعي، والعيش بعيدًا عن الكلمة خطأ وجريمة ضد الإنسان كله؛ بوعيه وعقله وقبله وروحه ومُتعه.

أرجو أن أكون قد أوفيت هذه المسألة حقها في ورقات بعنوان (بين العقل الشِّعري والعقل الجهادي) ؛ وهي إحدى هموم العمل الإسلامي اليوم، وستبقى مفتوحة لأبواب البحث.

يعاني المبتدئ بالقراءة من شعور خاطئ أنه بعد أن يقطع بعض الكتاب قراءةً أنه لم يعد يذكر ما تقدم، وحينها قد ينصرف عن الكتاب لأنه فقد التواصل معه.

هذا الشعور خادع ووهمي؛ فإن تعمير الباطن وارتقاء العقل لا يميزه صاحبه، وهو كواضع الطيب يشمُّه مَن حوله وهو لا يشمه.

هذه الخديعة قد تسيطر على المرء فتصرفه عن القراءة بالكلية، حيث يتهم نفسه أنه إن قرأ لا يحفظ ويسنى، وربما قارن نفسه بغيره الذي يراه صاحب ذاكرة قوية، فيظن أن القراءة لمثل هذا وليست له.

العلم والمعرفة ليس لهما من الدلائل الظاهرة على الإنسان كطفرة مَرَضيّة مفاجئة، بل هي بناء يتشكل ببطء لا يحسه المقارن له، وحين يُمتحن هذا البناء يكون حاضرًا ويُثبت نفسه، ولذلك على المرء ألا يتوقف أبدًا عن القراءة بل يتابع ويتابع ولا يُخدع.

في ظرف غير عادي جاءني فتى يطلب العلم فقلت له:"اقرأ، فهي طريقك الوحيد اليوم في هذا الظرف". وشكى لي هذه الشكوى، ثم قال: بأي كتب تنصحني أن أبدأ؟

قلت له:"عليك بـ (مجموع الفتاوى) لابن تيمية، ابدأ من الصفحة الأولى ولا تتوقف حتى تنتهي منه".

كان يعود ويشكو من أمرين: أنه ينسى فيشعر أنه لم يجنِ شيئًا، وثانيًا: أن بعض المواطن وهي كثيرة يستعصي عليه فهمها.

كنت أعالج له ما تيسر من حل الثانية، فإن ضاق الوقت قلت له:"اتركها وواصل"، أما الأولى فكنت أقول له:"دع الوهم واصبر وسترى".

وإني أحمد الله أن التجربة قد نجحت، فقد صار إنسانًا آخر بعد انتهاء الرحلة.

كم من قارئ يشكو من هذا الوهم وخاصة من يقرأ كتب التاريخ لكثرة ما فيها من أسماء قد تبدو غريبة هذه الأيام، والعجيب أنهم بعد الشكوى يحرجونك لجدة قراءتهم بمعلومات يسوقونها على وجهها الصحيح، وهي عندك لطول العهد بها عامة وغائمة، وحينها تقول لهم: ها قد علق الكثير في أذهانكم من القراءة فانتبهوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت