الصفحة 117 من 171

يقابل هذه الخدعة خدعة مضادة وهو وهم البعض بعد قراءة لموضوع في كتاب أن البحث صار من حقه وأنه له، مع شعور خادع أنه استوفاه وأتى على نهايته.

حين تقرأ موضوعًا لغيرك في كتاب فمن حقك روايته لا ادعاء ملكيته، فرحلة القراءة قد تشتبه على البعض بأنها رحلة إبداع وإنتاج وليست رحلة تحصيل واجتناء، وهذا من وهم البعض وأخطائهم.

قد يقول قائل: ما أسرع ما نسيت، فإنك قدمت أن القراءة رحلة إبداع وإنتاج والآن تنفي هذا!!

لم أنسَ والعهد قريب، والقراءة لا تكون كاملة حتى تكون إنتاجًا، لكن إنتاجًا منك حين تشكل تشكيلًا من إبداعك حتى لو كانت أفراده من غيرك، لكن التنبيه هنا على خداع الصورة عند البعض، حيث قرأ شيئًا وأحسّ بأنه قادر أن يأتي بمثله فإنه لا يستنكف أن يقول: هذا لي، أو قد التقت أفكارنا، ولذلك من الأمانة العلمية أن يُنسب الفضل لأهله سواء عند الكاتبة أو الحديث خاصة لدرر الإبداع وأوابِد الفكر.

لكن دعني أخبرك بسر من أسرار نفسي، وقد أفشيته قبلًا في ورقات (شذرات من الحياة) والمقام هنا مقامه، وهو أنني كثيرًا ما أخرج بنتائج فقهية أو علمية أو فكرية من خلال قراءة تجر إليها أو تأمل في كلمة أو حادثة فأحدِّث بها إخواني أو أُثبِتها في موطن، ثم يتبيّن لي في قراءة ما أني مسبوق إليها فيعتريني فرح عارم وحزن دقيق؛ أما الفرح فبسبب حصول الاطمئنان على صحة النِتاج، وخاصة حين تكون الموافقة لعالم عظيم أو حكيم خبير، فأقول: ها قد أنتجت الماكينة بعض الصواب.

أما الحزن؛ فإني أعلم أن أحدًا ما لو علم صدورها من هذا العالم فلن ينسبها لي حتى لو سمعها مني ابتداءً، بل قد يظن أني اجتنيتها من غيري ولم آتِ بها من عندي.

أعترف أن هذا الحزن هو حزن رجل ما زال صغيرًا في أعمار باطنه، فإن رجلًا عظيمًا هو الشافعي قال:"لوددت أن هذا العلم علمه الناس ولم يُنسب لي منه شيء"، فإنا لله، هذه مراتب دونها تُقطع الحلاقيم عطشًا، فاللهم رحمتك.

وليتذكّر أولئك الذين يُعرِضون عن القراءة لاتّهام أنفسهم بعدم الحفظ وأن القراءة لا تحصِّل لهم الكثير، أن كثرة القراءة هي التي تُرسِّخ العلوم والمعارف، فالمرء لا يكون عالمًا بقراءة كتاب ولا كتابين، إنما بكثرة القراءة والمذاكرة تستقر العلوم في عقله وقلبه، هذا شيء يعرفه الناس بفِطَرهم.

وإن أعجب ما يقع عليّ من سائل هو قول أحدهم لي:"إني أحب التاريخ، فدُلَّني على أفضل كتاب في التاريخ أقرؤه؟"، والجواب هو: لو كنت محبًا للتاريخ لما سألت هذا السؤال؛ فإن المحب للتاريخ لا يقتصر على كتاب واحد ولا كتابين، بل يقرأ ويقرأ كل ما تقع عليه يده من كتب التاريخ، أقول هذا وأنا أعلم قول البعض:"إن الزمن قصير والأشغال كثيرة، فنريد الزُّبدة والخلاصة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت