فهرس الكتاب
يا الله، كم جنى هذا الوهم على الناس، وكم ضيّع عليهم من فضائل، وكم فوّت عليهم من خيرات! إن الأوقات أكثر من الواجبات، لا كما قال الشيخ حسن البنا -رحمه الله تعالى-، وإن الأوقات تتسع للكثير لو أحسن الناس استغلالها، وعلموا أن الزمن هو أرواحهم وعقولهم وجنتهم، وعلموا أن الدقيقة أغلى من الذهب، بل هي الحياة، إن ذهبت؛ ذهبت الحياة، لكن الناس لجهلهم يفرّطون أكثر ما يفرّطون في حياتهم.
تأملوا حياة المنجزين في أي باب من أبواب الحياة، كم أنجزوا وكم حصل لهم من ثمر وجني، أصحاب الأموال وأهل الاكتشافات وأهل العلم، ولا تعجبوا منهم، بل اعجبوا ممن ضيع عمره فأتى للحياة وذهب بلا شيء!
كم قرأ وكتب الإمام الطبري؟ هل تعرفون؟
كم قرأ وكتب الإمام البخاري؟ هل تعرفون؟
للذكر فإنه بدأ بتأليف كتابه العظيم (التاريخ الكبير) وهو في السابعة عشرة من عمره.
كم قرأ وكتب الإمام ابن حزم؟ هل تعرفون؟
لا تنسوا أنه كان يرتشف كل مُتع الحياة التي أتاحها الله، وأنه تقلّب في الوزارات حتى الثمالة.
كم قرأ وكتب الإمام ابن تيمية؟ هل تعرفون؟
وتذكروا أنه سافر وجاهد وسُجن واحتسب، وفاوض الملوك وناظر الخصوم.
لقد أوصى أحد مشايخ الإمام الشوكاني هذا الإمام وهو في بداية الطلب أن يكتب كل يوم ولو ثلاثة أسطر، وقد فعل -رحمه الله- وأطاع النصيحة، فأتى بالعجائب.
كم قرأ وكتب الإمام ابن كثير؟ هل تعرفون؟
لقد ذكر عن نفسه أنه أُصيب بالعمى آخر عمره وهو يشتغل في كتابه العظيم (جامع الأسانيد والسنن) بسبب سهره معه مع سراج يُنَونِص قليلًا.
لقد دخلت على الشيخ محمد زكريا الكاندهولي وهو مريض جدًا لا يستطيع الحركة، وحوله رجال يتناوبون في القراءة له، وقد حدثني أحد تلاميذه أنه كان يتناوب هو والشيخ محمد يوسف الكاندهولي صاحب كتاب (حياة الصحابة) السهر في الليل للقراءة والبحث.
هكذا هم العقلاء؛ لا يضيّعون حياتهم وأزمانهم، بل كل لحظة بثمن، وكل ثانية بإنجاز، وهل هناك امرؤ يسمع حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - القائل: (كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأدبيه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن من الحق) ، ثم يلهو لهوًا باطلًا؟! اللهم لا، إلا أن يكون الرجل لا عقل له.
انهض من لحظتك وشمّر عن ساعد الجِد، وسترى أنك بعام واحد أنجزت الكثير!