فهرس الكتاب
قلت مرة لأحد الأحبة -لسبب ما- إني قرأت (مجموع الفتاوى) لابن تيمية مرات لا مرة، فنقلها لأحدهم، فجعل الرجل يُقسم أن هذا لا يمكن، وأن هذه مبالغة.
سبحان الله! مبالغة! لمَ مبالغة؟
عبد الرحمن القاسم -رحمه الله- وابنه محمد ألم يجمعوا المخطوطات بسنين؟ ألم ينسخوها؟ ألم يصححوا تجاربها؟ ألم يصفّها عامل الطباعة حرقًا حرفًا؟
كل هذا يحدث، فإذا قرأها أحدهم مرات قال الغافل:"مبالغة".
إن ضعف الهمم هو الذي يقتل حدوث الإنجازات، لما عرضت كتابي الذي أنجزته مع حسن أبي هنية وهو (تجريد أسماء الرواة الذين ذكرهم ابن حزم) ، على الشيخ الألباني -رحمه الله- قال:"هل قرأتم كل كتب ابن حزم حتى تقولوا تجريد؟"، فقلت له:"نعم، بل قرأت كتبًا أخرى للرجال حتى أنجز العمل".
أعجبتني كلمة من أحدهم وهو يرهقني في التمارين الرياضية معه في السجن، وهو سجين مثلي، حيث يهرب منه الجميع ولم يبقَ معه إلا أنا وأخ حبيب آخر، فقال:"ليكن عدوّك اثنين؛ وزنك والآلة الرياضية فلا ينتصران عليك".
وأنت انظر إلى (فتح الباري) وأنه يعلن التحدي عليك ويقول لك:"هل تقدر؟"، وتأكد أنك تقدر، فقد قُرئ هذا الكتاب مرات على بعض المشايخ في جلسات خُصِّصت بعد صلاة الفجر فقط إلى شروق الشمس، أقول: قُرئ مرات لا مرة واحدة!
ليس هذا ما أردته ابتداءً ولكن الحديث ذو شجون -كما يقولون-، وهذا الكلام يُمدح في كل وقت، ثم هل نقول: إن بعض الكتب تبدو لضخامتها خادعة أنك لا تستطيع قراءتها، فتكون هذه خدعة أخرى من خدع القراءة؟ ربما.
لم أسمع قط أن كتابًا لم يُقرأ كله من قِبل إنسان إلا ما ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري عن (التلمود) اليهودي أنه لا يوجد أحد قرأه كله، و (التلمود) هو شروح كل عالم يهودي على التوراة، وكل خَطرات حبر من أحبارهم، وكل كلام يكتبه مُقدَّم فيهم، فهو كل يوم يزيد ويتضخم، حتى إن مناحيم بيغن زاد عليه من"الدُّرر اليهودية"-الرجاء عدم الابتسام-.
كان من نصائح الأقدمين قولهم:"لك روايته وعليه بدعته". نقّبت في مكتبة أحدهم وهو ينتسب لطلب العلم، فلم أجد في مكتبته كتابًا واحدًا في أصول الفقه، وهذا العلم قد قلّ هذه الأيام، ولم يبقَ منه إلا ترديد المصطلحات بين بعضهم، والمبصرون به مَلَكة ودربَةً قِلّة في زماننا لأنه فقه العلوم، فأشرت عليه بأن نزور بعض المكاتب التجارية، وقد كان، فكان من المعروض كتاب (المحصول)