وكان ثالث الفرح أن عيّرني أحدهم -وعيّرني الواشون أني أحبه- بأني تيميّ؛ أي ظلًا لابن تيمية، ولم يدرِ أن النفس تطرب لهذا.
حينها أدرك هذا الذي هو أمامي في المرآة، والذي هو ابن الغربة التي أتت على كل نشب وتلاد كان يمكن أن تكون لديه لو لم يُطرد من أرض أقسم له أبوه -وهو البَرُّ الصادق- أنها جبال زيتون مباركة، إذ كان جده بعد صلاة الصبح يحمل مسبحته ذاهبًا إليها ذاكرًا ربه يمسح عن وجهها كل ما يشينها لتبتسم خُضرةً وجمالًا وعطاءً، لكن هذا الجد مات غريبًا تحت غار يحفره ليقتات من عمله فيه.
لقد أدرك حفيد"الغريب"وهو"الغريب"أن القراءة بدأت تتسلل إليه وتصنعه وتنسبه لعالم جديد هو العلم والتاريخ والكلمة، هذا العالم الذي كان يحضّه عليه أبوه، هذا الأب بائع القهوة والشاي، والابن اللابس لنعل مصنوع من عجلات السيارات، ولباسه الداخلي مأخوذ من قماش غلالات الطحين الآتي ليكمل المأساة وصفقة الغَصب وشهادة الزور ووعد الرذيلة. وكيف لا يحض عليه وهو الذي قاسى الألم وهو يترك حقيبة الدراسة في بيته في قرية (دار الشيخ) ، تلك القرية التي كان يفطر أهلها على صوت المدفع -مدفع رمضان- القادم من مدينة القدس، ولما حطوا رحالهم -ويا لها من رحال هي الأبدان فقط! - في مدينة (بيت ساحور) ؛ طلب من أبيه أن يشتري له حقيبة دراسة جديدة، فرد عليه:"يا ولدي، إنما هي أيام ونعود لقريتا، وهناك حقيبتك، ولا ضرورة لحقيبتين".
ورمحت الأيام تطوي العمر ولا تقدر أن تُذهب الأسى، فما إن أعطته إفاقة حتى فرغ لحفظ كتاب الله تعالى، ومع الشيخوخة حاز مراده، ولما اتصل به الابن من سجنه ليفاخره أنه حفظ كتاب الله مثله، رد عليه بكلمات ما كان يلقيها لوحدها لأُذن هذا الابن المشاغب بل مع سياط يده القوية مؤدِّبًا، فقال:"وها أنا يا غُدر أتعلم النحو".
مع الغرفة العارية كان لا بد من التأمل: من أنا؟ فكان الجواب قاطعًا لا لبس فيه: أنت ابن القراءة، وقد صدق ابن القيم حين قال:"أب للبدن وأب للروح".
هذا الأب لا بد من بعض الوفاء له؛ لأنه أعطاني الكثير، بل أعطاني وجودي، والذي لا ينفك والدي -بائع الشاي والقهوة- مذكرًا لي في كل مكالمة -شهد الله- بقوله:"يا بني ما أنت إلا ابن قهوجيّ، وما حصل لك من خير إنما هو بالعلم، فإياك وخيانته".
فليس الخصوم فقط من يذكرني بمن أنا بل إنه أبي كذلك، ولكن هذا الابن لا ينفك يصيح: ليت فلسطين لم تضِع!