أنه هو الذي عرفه بتراثه وتاريخه ورجاله، إنها قلة حياء يأباها فنانو الطبخ هذه الأيام، وإلا فما معنى -بالله عليكم- أن تقرأ فرق الإسلام بعيون بروان وجولديزر وأوليري وكارا دي فو ونكلسون، أو أن يقرأ المعري بعيون مرغوليت أو نكلسون، أليس هذا من قلة الحياء وفساد التصور وضعف العلم؟!
إن هؤلاء المستشرقين لم يعدُ أحدهم أن يفهم اللغة لا أن يتحسسها أو يتذوقها، لا أن يفهم أسرارها ومشاعر أصحابها وطرائق تفكيرهم، ثم يقتحم بقلة أمانة أعظم خزائنها -وهو الشعر والأدب-، ليقول فيه برأيه، أو أن يقتحم أعظم البيان وأخطر القضايا -وهي القضايا العقدية التصورية- ليقول فيها قولًا يتناقله أهل اللغة أنفسهم.
إنها والله فاقرة في العقل، سماجة في النفس، مهزلة من مهازل عصر الانحطاط.
إن الذي يستحق وصف العالم بالتراث هو القارئ من مصادره، الغائص في أعماقه لا الغامس بطرق أصابعه في شطآنه، العالم بأصول القوم ومناهج دراستهم لا الناقل لعبارات لا يعرف وجهها ولا كيف صارت، وبالتالي الدعوة إلى القراءة الشاملة الناقدة هي دعوة لهضم التراث والذي لا يصح التجديد إلا بها كمقدمة واجبة لا انفكاك عنها، فالتجديد يعني هضم القديم والإحاطة به مع الإحاطة بالجديد الحادث ليتم التطوير العلمي الصحيح.
وهذا كما تكونت كل أصول العلوم في تراثنا؛ كما تكون أصول الفقه، وكما تكون علم النحو وبحور الشعر، فإنها كلها قامت على القراءة الشاملة لكل مفردات الموضوع ثم سبرها وتقسيمها بإعادة كل نظير إلى نظيره وشبه إلى شبهه، وبذا تكونت القواعد، وصحّ لما أنتجوه أن يسمى تجديدًا وإحياءً.
إن موضوع القراءة وإن بدا متعة ورغبة في أوله -كما قال الإمام أحمد-، لكنه في حقيقته معركة ودين وإثبات وجود وإعلان هوية، وحين تبلغُ هذه القراءة تكتشف كمًّا هائلًا من اللاعبين الجهلة والأسماء الكبيرة الخاوية والدعاوى الفجَّة، وحينها تكون ثقتك بأمتك ليس شعارًا بلا مضمون، وليس عاطفة بلا علم بل تكون علمًا وعملًا لحقائق الحياة.