الصفحة 140 من 171

عقولهم وقلوبهم، بل يصفّون الحروف ولا يقرؤون، فتبدو كتبهم منسقة بالإحالات وكثرتها مع عدم وجود العلم عندهم، كما هو شأن حملة الكثير من الشهادات الجامعية كالدكتوراة، فتراه كاتبًا للكتاب ولكن على فراغ داخلي، وحينئذ يتمايز الناس في طبقاتهم بحسب القراءة، كثرتها وقلتها، ونوع قراءته، وكيفية قراءته، فالكلمة الواحدة ينطقها الرجلان فتحس أن الفارق بينهما كبير وشديد، فهذا ينطقها ويكسوها بمعارف أخرى، ويعمم صلاتها المعرفية، ويحفر تحتها؛ في أصولها وجذورها وآثارها وتداعياتها، وأما الآخر فيلقيها عليك جامدة ميتة تحس أنه يلقي حجرًا مجردًا لا فن فيه ولا نحب ولا تشكيل، وسبب هذا كله هو افتراقهما في"فن القراءة".

في الوسط الإسلامي ينتشر اليوم إطلاق عبارات"الجرح والتعديل"، بطريقة فجة لا عمق فيها ولا دراسة، وتصنيفات عامة غائمة قائمة على"الزُّمر"، فكل ما يلمع ذهب، وكل بيضاء شحمة، وكل من ليس معنا لفظًا فهو في زمرة الآخرين، ظانين أنهم بهذا يقتدون بالسلف، ولم يعد أمرهم إلا لبس شعار السلف على أبدان مزيفة لا تمتّ للسلف بصلة؛ فهل جمع السلف"المعتزلة"في خريطة واحدة ثم ختموهم بلا وعي ولا تمييز؟!

من قرأ كتب الرجال وكتب الفرق رأى بصرًا شديدًا وأمانة غير منقوصة في دراسة دقائق كل رجل، والاطلاع على ما قال وما كتب، فيميزونهم تمييز المطلع العارف بأقوالهم من مصادرها، ويكون"ضعف"أي مصنف في الاعتماد على التعميم أو الإحالات، فما أحرى طالب العلم اليوم أن يفهم هذا؟

حدثني أحد الإخوان أن الدكتور محمد عابد الجابري زار الأردن وحاضر في الناس بدعوة من مؤسسة عبد الحميد شومان، وكان هذا الأخ طالبًا في درجة الماجستير، فيتحدث لأستاذ جامعي من كلية الشريعة عن المحاضرة سائلًا رأيه فيها إن كان حضرها، فقال الأستاذ: من هذا الجابري؟! فأخبره عن بعض ما يعرف وما يقال، فقال الأستاذ: هؤلاء لا خير في السماع لهم ولا قراءتهم. وانتهى الجرح والتعديل.

لم يتكلم أحد من السابقين من أئمتنا في أحد حتى استوفوا أمره بحثًا ودراسة ولاحقوه إلى درجة تزيد عن فعل دوائر المخابرات هذه الأيام، يستقصون كل شيء عنه حتى خرجت منهم كلمة واحدة في حقه، واليوم يطلقها أطفال لا يعرفون شيئًا عن الناس سوى عمومات غائمة التقطوها من أفواه الآخرين ثم يحسبون أنفسهم على منهج السلف والأقدمين.

إنه عصر الشعارات الفارغة!

خصوم التراث مصيبة من المصائب وعاهات بشرية مخيفة، لا يعرفون شيئًا عن تراث الأمة، بل إن قرؤوا شيئًا قرؤوه بعيون الآخرين ومن كتبهم وعلى مناهجهم، مع أن كتب التراث متوفرة بين أيديهم، ثمّ بعد ذلك يطلقون أقسى العبارات وأشدها دون عقل ولا روية، والواحد منهم يمتدح الغرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت