الصفحة 139 من 171

لو تأملت علم الحديث وأخذت بعض أجزائه كالجرح والتعديل، فإن أساس هذا العلم هو استقراء الرجال؛ دينهم وسلوكهم، رواياتهم ومقارنتها، تاريخهم ورحلاتهم وعلاقتهم، أزمنة علاقاتهم وأماكنها ... ، فلا تترك قضية دون وصفها للدراسة والبحث والتقويم.

إن الاستقراء التام والاستنباط العميق بصبر وأناة وأمانة ومنهج صارم دقيق. هذه القراءة لا تخطئها في أي حال، ومع أي كتاب ومع أي كاتب، فلا تعتمد على الإحالات ولا على الشواهد ولا على الفهارس.

افتح الكتاب من أول حرف فيه، وتمهل معه مستنطقًا إياه، راشفًا روحه إلى آخر حرف، اقرأ هوامش صاحبه، دقق في علامات الترقيم، تأمل التقديم والتأخير، حتى تنتهي إلى فهرسته، فالفهرست وصناعته علم قد تعرف من خلاله موطن الرجل ومنهجه، فهل تعلم أن ترتيب الحروف عند المغاربة غير ترتيبها الأبجدي عند المشارقة، إذ المغاربة يرتبونها كالتالي: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، ط، ظ، ك، ل، م، ن، ص، ض، ع، غ، ف، ق، س، ش، ه، و، ي.

وأظن أنك تعرف طريقة المشارقة.

مع التنبيه أن من يعتمد على الفهرست للقراءة مظنة إفساد الاستقراء التام.

ومن فوائد همة تجار الكتب اليوم في جني المكاسب، أنهم قدموا فائدة للقارئ النّهم وهو ما يسمى بـ"الأعمال الكاملة"فاحرص عليها، وإن كانت بعض الكتب تتطور بطور أصحابها فأنت بحاجة لمعرفة البدايات وكيف هي، فإن لكل كتاب تاريخًا دالًا على أمور متعددة غير تغيّر بعض آراء الكاتب.

اقرأ عنوان الكتاب"بعناية"فهو مهم في معرفة الكاتب ونفسيته ومنهجه ومقدار تذوقه، تواضعه أو تبجحه، سهولته أو وعورته.

بل هذه الأيام لا تخطئ قراءة دار النشر، فمن هو القارئ الجيد للتراث ويقع في حبائل"دار الكتب العلمية"إلا أن يكون مضطرًا.

اقرأ تاريخ النشر وعدد الطبعات، اقرأ اسم المحقق إن كان كتاب تراث، اقرأ اسم المراجع كما تقرأ اسم المؤلف، وكما تقرأ اسم المترجم.

تعرف عليهم ماذا كتبوا وما هي مناهجهم وماذا قال عنهم أهل الفكر والعلم والمعرفة.

القراءة كالتحقيق الجنائي؛ فهي توقيف كل شيء، والتدقيق في كل علامة، وتحليل كل دليل، من أجل الوصول إلى صورة كاملة غير منقوصة، فالمعرفة الناقصة مُضِرة في أحيان كثيرة.

إن ما تراه من بعض الكتّاب من جهالة وضحالة لا تتناسب مع كتبهم، أن كتبهم مجرد التقاط وانتقاء للسطور من كتب لا يعرفونها إلا من خلال الفهرست فقط، فهم لا يحملون أي معرفة وعلوم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت