4 -وقوله: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} دليل أنه لا علم إلا به، فلا علم إلا بالقراءة ولا قراءة إلا في كتاب، ودون ذلك أوهام وتخرّصات وحِيَل.
وقد يقال:
(1) هذا خطاب لرجل أُميّ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يقرأ ولا يكتب.
والجواب: إن القراءة تعني تلاوة المكتوب والمحفوظ، والمحفوظ يكون بالسماع والتلقين، ويكون من الإنشاء ويكون من القراءة في المكتوب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينشئ من جهة نفسه، بل ما يقوله إنما هو وحي من الله تعالى يوحى له به: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، لا فرق بين القرآن والحديث في هذا الباب، ولا يقرأ من كتاب لأنه أميّ، إنما هو من السماع؛ وذلك مما يلقاه من أمين الوحي جبريل -عليه السلام- والذي يلقاه من الله تعالى وليس من اللوح المحفوظ كما انتشر في كتب"علوم القرآن"، وهذا خاص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يشركه فيه غيره، وأما السماع والتلقين من الأستاذ للتلميذ فهذا لا ينتهي، وأصل السلسلة هي الكتاب عن الأستاذ أو من هو أعلى منه، فالأمر انتهى إلى الكتاب.
(2) ذكر الشاطبي:"إنما العلم هو السماع والشيخ، وأما الكتاب فتابع ولا يمكن استقلاله، بل في استقلاله فساد"، وكذلك قالوا:"من كان الكتاب شيخه كثر خطؤه"، فالجواب من وجوه:
1 -هذا الكلام تقويم لطريقة القراءة، وهي أن القراءة الأولى تحتاج إلى شيخ مربي يضبط لك النّص ويشرح لك المعنى، ويرتب لك الأوليات، ويربط لك المسائل والمعاني، ولا يمكن حمل هذا الكلام إلا على هذا المعنى؛ لأن أَول الطلب في سلوك مراتب العلم تحتاج للشيخ، وخاصة أن ضبط الكتب قديمًا لم يكن بما عليه ضبطها اليوم من وضع النقاط أو إشارات الترقيم أو فصل الجمل المختلفة، فوقوع القارئ المبتدئ في الخطأ حينها أمر وارد بكثرة، فيقع التصحيف وغيره، ولكن لا يوجد في تاريخ أمتنا قط -مع وجود هذا الكلام وغيره من أهمية الشيخ- النهي عن القراءة في كتاب إلا بعد عرضه على شيخ قراءة تامة؛ فإجازة الكتب دون قراءتها على أصحابها أو رواتها أمر مشهور، وكذلك المناولة والوجادة من طرق تلقي العلم المعروفة قديمًا وحديثًا.
2 -ثمَّ يقال إن هذا التقديم -أعني تقديم طريقة التلقي في العلم على طريقة القراءة- أمر نسبي بحسب الأزمنة والأحوال؛ فالمبتدئ ليس كغيره، وفي مواطن لا يكون إلا أحدهما، وفي كل يكون الشيخ أو التلميذ مصدر علمها الكتاب والنظر فيه لتعاهد العلم واستذكاره، فالكتاب أصل وإن اختلفت طرق التعامل معه.
3 -إن المقصود من كل ذلك حصول العلم، والوسيلة تبع، فإن حصل العلم فهو المقصود، ولا يعاب على الوسيلة بعد ذلك، والسماع والتلقي إحدى الطرق لا كلها -وهي كثيرة-، وهذا الكلام