فهرس الكتاب
نقوله اليوم للمشيخين تنبيهًا لهم، وتذكيرًا لهم كذلك، نقول أن ما يحصلونه اليوم من إجازات من الشيوخ هي ألبسة تقليدية للتزيين لا أكثر، وكثير منها يرسل بالبريد هدايا، وبارك الله لهم فيها، فالتزيين مطلوب زائد في العلم لا أصلي، وكذا وضع اسم المرء في سلسلة العلماء شيء ترتاح له النفس على ألا يكون خادعًا مانعًا من البذل للدخول في الحقائق وليس فقط لبس الشارات وحمل الألقاب.
(3) إن المفسِّر لكلام الله تعالى هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه؛ فسيرتهم هي التطبيق الحقيقي لألفاظ الكتاب، فَهُم معانيه، فأين في سيرتهم هذه القراءة التي تفسر هذا الأمر؟ فالجواب:
1 -لقد كتب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن كاملًا، وما من آية سمعوها إلا وكُتبت بقلم وعلى كتاب، وقد جُمع هذا المكتوب في مكان واحد من قِبل أول خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجزى الله له حسن صنيعه، وقد عمّت كتابة المصاحف بينهم، فكثير منهم كان له مصحف خاص به ينشره لعبادته كما هو شأن عائشة وابن عمر وأبي هريرة وأبي الدرداء وزوجته الصغرى وكعب وآلاف غيرهم لا يحصيهم إلا الله تعالى.
2 -وقد كتب هؤلاء الأصحاب حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وقد ذُكر أنه كان لبعضهم زوامل من الحديث النبوي كما ذُكر عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأنصح في هذا الأمر بالرجوع إلى كتاب عظيم القدر لمصطفى الأعظمي وعنوانه (دراسات في الحديث النبوي) لنرى اتساع هذا الأمر وشيوعه بينهم، وليس كما يظنه البعض أن الحفظ والذاكرة هي مادتهم الوحيدة كما شاع وانتشر.
(4) وقد يقال: هذا في أمر القراءة الشرعية، فأين هي القراءة الكونية الوجودية كما تشير الآية؟
فالجواب: إن علم الصحابة في هذا الباب هو الأرقى في زمانهم وبيئتهم، فنظرهم في الآفاق وفي أنفسهم بحسب آلات زمانهم ومعارفها هو الأقوم، فهم أبعد الناس عن الخرافة والوهم، ولم يكونوا يقبلون من هذا الباب إلا ما صح لهم في النظر كما نرى ذلك جليًّا في باب التطبب والاستشفاء، وكما نراه في باب النجوم والاهتداء بها، وأما النفس وحكمتها وتربيتها؛ فلم يبلغ أحد قبلهم ولا بعدهم إلى يوم القيامة ما بلغوه، وإنّ لهم في ذلك أقوالًا وأفعالًا هي أركان هذا العلم كقول عمر -رضي الله عنه-:"لا خير في دين لا صلاة فيه"، فهذا قول ردده العشرات بعده من دارسي الحضارات كبرجسون وغيره، وإن لم يقاربوا غرزه تسديدًا. وأما قراءتهم للإنتاج الإنساني الفكري كالشعر والحكم والخطب؛ فأين هو الذي قارب قممهم؟! كانوا له حفظة ورعاة، فابن عباس -رضي الله عنهما- له مجلس للشعر خاصة، وعائشة كذلك، ونقد عمر للشعر وتمييز أقدار قائليه مشهور معلوم، وهذا كله -وغيره- دليل على قراءتهم الكونية الواسعة خارج رحاب الشرع والنص.