الصفحة 13 من 171

(5) وقد يقال: ثبت في الحديث غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما رأى صحائف من التوراة في يد عمر، وقال كلمته: (أَمُتهوِّكون أنتم؟ والله لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي، ولقد جئتكم بها بيضاء نقية) ، وهذا كما يبدو نهيٌ عن القراءة خارج النص الشرعي.

فالجواب:

1 -النص واضح أنه نهيٌ عن الاتباع لا عن مجرد القراءة، وذلك لقوله: (والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) ، وكذلك في قوله: (أمتهوكون) ، وهو نهيٌ عن الانحراف في الاعتقاد والسلوك، وهذا نهي عن قراءة معينة، وهي قراءة التعبد والانقياد لا قراءة العلم والمعرفة والاطلاع والبحث والنظر.

2 -وفي النص بيان عن نهي آخر وهي قراءة"خلط المصادر"؛ فإن مصدر الحق في الاعتقاد والإيمان والعبادة هو ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده دون غيره، ولذلك قال: (ولقد جئتكم بها بيضاء نقية) ، فخلط هذا المصدر بغيره هو المنهي عنه، وهذا نوع آخر من القراءة غير قراءة العلم بمعناه الواسع [1] .

3 -ومما يدل على جواز القراءة خارج هذين الأمرين:"قراءة الاتباع، وقراءة خلط المصادر"قوله - صلى الله عليه وسلم: (حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، وهي قراءة أخرى جائزة ولا حرج فيها بنص قوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن عمم النهي الأول على كل قراءة فقد وهم وضيّق واسعًا، وفهم الأمر على غير ما فهمه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله، إذ في سيرتهم النظر في كتب بني إسرائيل والاعتبار من أخبارهم كما وقع لعبد الله بن عمرو بن العاص حين تملّك جرابين من كتبهم وصحفهم، وأما تاريخ الأمة بعد الأصحاب في هذا الباب؛ فشيء يبلغ الغاية كثرة واتساعًا.

تنبيه: شاع على ألسنة الناس في تقديم السيف على الكتاب بيت أبي تمام في قصيدته الرائعة في فتح عمورية والتي هو مطلعها:

السَّيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدَ واللعبِ

وأبو تمام من الشعراء الذين قرؤوا الشعر بوعي، وهو دارس له قبل أن يكون شاعرًا، ومن قرأ اختياراته المتعددة والكثيرة والتي لم يصل إلينا منها سوى الحماسة ولم يصل إلينا إلا مع شرحه، وقد سمعت مؤخرًا أنه وُجدت له مخطوطة مستقلة، والوحشيات وهو في ذكر أبيات لم يقل صاحبها سواها، وليس كما ظن البعض أنها غريبة أو غير ذلك، أقول من قرأ اختيارات أبي تمام وقراءته للشعر وحفظه له؛ يرى أن أبا تمام أعقل من أن يستصغر الكتاب وخبره بهذا البيت، والسيف لا قيمة له إلا بكتاب يهدي، والكتاب يُهان بلا سيف يحمي، فكيف لو علم القارئ مناسبة البيت والقصيدة غير مدح فتح عمورية؟! ثم كيف لو تابع قارئ القصيدة الأبيات التالية لهذا البيت؟!

(1) وحتى لا أطيل عليك تستطيع العودة إلى مفهوم"خلط المصادر"وهذه"توحيد المصادر"إلى (معالم في الطريق) لسيد قطب في فصل"جيل قرآني فريد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت