الصفحة 21 من 40

وهكذا فإن الدين النصراني أحس منذ نشأته بما له في سر الثالوث من معاناة، فكيف السبيل إلى التوفيق بين التوحيد الذي جاهر به النصارى الأول مع الرسل واليهود في وجه المشركين، وبين الإيمان بأن المسيح إله وأن الروح القدس إله أيضا (69) .

يقول ول ديوررانت في قصة الحضارة: (ولما جاء قسطنطين إلى نقوميديا بعد أن هزم ليسينوس سمع من أسقفها قصة خلاف آريوس وألكسندر، فأرسل إليهما رسائل شخصية يدعوهما أن يتخلقا بأخلاق الفلاسفة وأن يوفقا بين آرائهما المختلفة في سلام، فإن لم يفعلا فلا أقل من أن يخفيا جدلهما عن آذان الجماهير)

ويكشف الخطاب التالي الذي نقله لنا يوسيبيوس في صراحة عن الهدف السياسي الذي كان يبتغيه من سياسته الدينية وعن قلة اهتمام قسطنطين بعلوم الدين: (لقد اقترحت أن أرد جميع آراء الناس في الله إلى صورة واحدة لأني قوي الاعتقاد بأني إذا استطعت أن أوحد آراءهم في هذا الموضوع سهل علي تصريف كثير من الشؤون العامة ولكن مع الأسف الشديد، أسمع أن بينكما من الخلاف أكثر مما كان قائما في أفريقية من وقت قريب، ويبدو لي أن سبب هذا الخلاف بينكما صغير تافه غير جدير بأن يثير هذا النزاع الشديد فأنت يا الكسندر تريد أن تعرف رأي قساوستك في صلاحية آرائك في جزء من سؤال هو في حد ذاته عديم الأهمية، وأما أنت يا آريوس فقد كان من الواجب عليك إن كانت لديك أفكار من هذا القبيل أن تظل صامتا ... ولم يكن ثمة حاجة إلى إثارة هذه المسائل أمام الجماهير .. لأنها مسائل لا يثيرها إلا من ليس لديهم عمل يشغلون به أنفسهم ولا يرجى منها إلا أن تزيد عقول الناس حدة، تلك أعمال سخيفة جديرة بالأطفال عديمي التجربة لا برجال الدين أو العقلاء من الناس(70) .

ولما انتشر الجدل في هذه المسألة واشتعلت نيران الخلاف في بلاد الشرق اليوناني، اعتزم قسطنطين أن يقضي عليه بدعوة أول مجلس عام للكنيسة في نيقية وسمي بمجمع نيقية نسبة إلى مدينة نيقية الواقعة شمال غربي آسيا الصغرى والمعروفة اليوم بإزنك التركية والقريبة من القصر الإمبراطوري لقسطنطين الأكبر آنذاك.

عقد هذا المجمع بدعوة رسمية من الإمبراطور قسطنطين الأول، (ورأسه الإمبراطور قسطنطين نفسه، على الرغم من أنه لم يكن معمدا) (71) في صيف عام 325م، وتوالت اجتماعاته على مدى أكثر من شهرين (19 حزيران - 25آب) وذلك للنظر في (البدعة الآريوسية) - كما تقول المسيحية المثلثه - التي أذاعها آريوس (250 - 336) (72) 0 ويعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت