الصفحة 18 من 118

ولا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة التكسب عند ذي الرمة لا يمكن أن تكون مأخذًا عليه، إذ تكسب عدد من الشعراء في عصره، من أمثال جرير والفرزدق

والأخطل وغيرهم، بل إن ذا الرمة كان أقلهم تكسبًا وأقلهم تردادًا على الخلفاء وعلية القوم. وكان غير ذي الرمة من الشعراء يتكسب على الرغم من إنه كان سيدًا في قومه، من أمثال زهير بن أبي سلمى (في الجاهلية) والفرزدق

(في العصر الأموي) .

وينبري النقاد للحديث عن صفاته الشخصية وأخلاقه، إذ يشير الثعالبي

(ت 429هـ) إلى أن ذا الرمة كان دميمًا، كناز اللحم، مربوعًا،

قصيرًا [1] . ويشير إبن خلكان (681هـ) إلى أن (مي) التي طالما وصفها وتعشق بها في شعره، حين رأته أسودًا دميمًا صرخت"وا سوأتاه، وا بؤساه" [2] . وينقل صاحب"الأغاني"أن أمه كانت معه وقد تحلق الناس من حوله وهو ينشدهم

شعرًا، فقالت: انظروا إلى شعره ولا تنظروا إلى وجهه [3] .

أن واقع جسد الإنسان من حيث الشكل والوجاهة وأحيانًا العوق عادة ما ينعكس بشكل مباشر على تصرفات الإنسان وتوجهاته وأخلاقه أحيانًا، إلا أن ذلك الوصف لذي الرمة من حيث دمامة شكله وسحنته السوداء، لم تجد لها تأثيرًا في شعره، إذ لم تقف حائلًا دون فاعليته وعلاقته بالآخرين، ونحن لايمكن لنا من الناحية النفسية إنكار وجود تأثير لذلك في نفسه، إلا أننا لم نجد ها شكلت ظاهرة في حياته وتصرفاته، والدليل أنه كان يعشق ويرتحل من مكان إلى أخر ويحضر مجالس الخلفاء والأمراء.

غير أن النقاد يشيرون إلى رواية ذات دلالات أكثر عمقًا من دمامة وجهه، فقد كان عليلًا منذ صغره، وأمه كانت أخذته إلى الحصين لعلة قد تكون جسدية [4] ، وهو ما يمكن القول أنه أثر في سلوكه وجعله وادعًا هادئًا، فضلًا عن أن

(1) لطائف المعارف، الثعالبي، 113.

(2) وفيات الأعيان، ابن خلكان، 3/ 185.

(3) الأغاني، للأصفهاني، 16/ 220 - 221.

(4) الأغاني، للأصفهاني، 16/ 216، 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت