يتقي بها من المطر، ويصف الشجرة تلك (ذو الرمة) بانها مائلة وارفة كثيرًا
ما كانت تلوذ بها الأبقار الوحشية، إذ يكون إبعارها كثبًا حولها كأنه نفض التوت والعنب، ورائحته رائحة المسك. ويشتد المطر على الثور الوحشي وتبدأ خيوطه تنهمر فوق ظهره، وكان الرمل المنهال وعروق الشجرة عائقًا أمام الثور ليضم نفسه. وخلال ذلك يحس الثور بالخوف حين يسمع صوتًا خفيًا، ويظل بين الوساوس والأمطار والرياح حتى الصباح حين تعلو الشمس فتبرز له كلاب
كاسرة، فيهرب وهي في أثره، إلا ان الكبرياء تجعله يخفف من سعيه، ويعقد العزم على ملاقاتها، فلما تلحق به يتولاها طعنًا حتى يُجري دماءها، ثم ينسحب من المكان بعد ان ترك الكلاب بين قتيل ودام جريح، وقد أفرغ غضبه وكأنه كوكب منقض في أثر شيطان رجيم. ويعد هذا المقطع من أطول مقاطع
القصيدة، إذ يستغرق (39) بيتًا [1] . إذ قال فيه:
أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ... مسفع الخدغاد ناشط شبب
تقيظ الرمل حتى هز خلفته ... تروح البرد ما في عيشه رتب
ربلًا وأرطئٍ نفت عنه ذوائبه ... كواكب القيط حتى ماتت الشهب
أمسى بوهبين مجتازًا لمرتعه ... من ذي الفوارس تدعو أنفه الريب
ضم الظلام على الوحشي شملته ... ورائح من نشاص الدلو منسكب
فبات صيفًا إلى أرطأة مرتكم ... من الكثيب بها دفء ومحتجب
ميلاء من معدن الصيران قاصية ... أبعارهن على أهدافها كثب
وحائل من سفير الحول جائلة ... حول الجراثيم في ألوانه شهب
كأنما نفض الأحمال ذاوية ... على جوانبه الفرصاد والعنب
كأنه بيت عطّار يضمنه ... لصائم المسك يحويها وتنتهب
والودق يستن عن أعلى طريقته ... حول الجمان جرى في سلكه الثقب
إذا أرادا نكراسًا فيه عنَّ له ... دون الأرومة من أطنابها طنب
وقد توجس ركزًا مقفر ندس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب
غدا كأن به جنا تذاء به ... من كل أقطاره يخشى ويرتقب
هاجت له جوع زرق مخصرة ... شوازب لاحها التغريث والجنب
غصف مهرته الأشداق ضارية ... مثل السراحين في أعناقها العذب
(1) ينظر: ذو الرمة دراسة و نقد، طراد الكبيسي، 74 - 75.