الصفحة 83 من 118

تبري له صعلة خرجاء خاضعة ... فالخرق دون بنات البيض منتهب

كأنها دلو بئر جدّ ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكرب

ويلمحها روحة والريح معصفة ... والغيث مزتجر والليل مقترب

لا يدخران من الايغال باقية ... حتى تكاد تفرى عنها الأهب

لا يأمنان سباع الليل أو بردًا ... إن أظلمًا دون اطفال لها لجب

جاءت من البيض زعرًا لا لباس لها ... إلا الدهاس وأم برّة وأب

أشداقها كصدوع النبع في قلل ... مثل الدحاريج لم تنبت لها زغب [1] .

من المؤكد أن القصيدة في ظاهرها لم تكن تعني ذلك فحسب، إنما كان للقصيدة بواطن عبر عنها ذو الرمة سواء شعر بذلك أم لم يشعر، وقد كشف في هذه القصيدة أفكاره وأحاسيسه ومشاعره في الحب والطبيعة من خلال أربع صور صورة (مي) وما يتصل بها وصفه لنفسه، وراحلته وصورة (حمار الوحش) مع اتنه، وصورة (الثور الوحشي) ، وأخيرًا صورة (الظليم والنعامة) وتجسيد عواطفهما تجاه أفراخهما. ويعتقد النقاد ان هذه الصور المصّورة بالصحراء بشكل مباشر ارتبطت ارتباطًا عضويًا ونفسيًا بمخيلة الشاعر وفكره [2] .

وتلك الصور التي يرسمها ذو الرمة تدلل على مقدرته العالية في رسم الصور بالكلمات، وهي مقدرة استغلها من خلال ما وصل إليه من الشعر

الجاهلي، ثم نفذ من خلاله إلى تلك الصور ذات العالم المليء بخفقات الحياة وحركتها، وكأن تلك الصور تفتح عالمًا جديدًا"فهذا كتاب الصحراء قد فتحت صفحاته أو قل فتحت لوحاته، وفي كل لوحة نرى مشهدًا عجبًا من مشاهد الصحراء" [3] .إلا ان بعض النقاد يعتقدون ان صور ذي الرمة"أريد بها ان ترسم بعض مناظر الصحراء، فلا غاية لها وراء ذلك" [4] . إلا ان آخرين كانوا أكثر اقترابًا من ذلك، إذ يعتقدون إن تلك الصور كانت مجالًا رحبًا للوصول إلى حقائق نفسية تفوق

(1) الديوان، 38 - 46.

(2) ينظر: ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 77.

(3) ينظر: التطور والتجديد، شوقي ضيف، 251.

(4) المصدر نفسه، 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت