هذا التحديد الشكلي. فبعضهم يعتقد ان مطلع البائية المشار إليها آنفًا حين ذكر فيه (الكلى المفرية) إنما عبر عن بدويته من خلالها، فهو رجل الصحراء الذي غالبًا ما يعيش تجربة العطش المجهدة، فيأتي قربته مستنجدًا بها، وقد يجدها فارغة في بعض الأحيان، ومن الممكن أن يحمل التعبير الآنف إشارة واضحة إلى ضياع حبه وأمله في تجربته العاطفية مع (مي) وهو ضياع الشاعر في صحراء الحب كما ضاع الماء في تجربة الصحراء، أو ان يكون التعبير إشارة إلى الحاجة المادية ونضوب ما في اليد، وهي من المحتمل ان تكون إشارة (تنبيه) للخليفة على الحاجة للمال ليجزل له العطاء، لا سيما وان الشاعر فقد الأمل في كل شئ يصله بأحبابه، إذ قال: [بسيط]
يبدو لعينيك منها وهي مزمنة ... نؤي ومستوقد بال ومحتطب [1] .
من الواضح ان الإشارة في هذا البيت استنادًا إلى الافتراض الآنف تدل على فقدان الشاعر لكل شئ يربطه بحبه مع (مي) ، وقد يكون المعنى أوسع حين نعممه على فقدانه لكل شئ في الحياة ووصوله إلى مرحلة العدم المادي [2] .
ويرى نقاد آخرون إن هذه الفرضية عارية من الصحة بناءً على اعتقادهم ان القصيدة في الأساس لم تكن موجهة إلى الخليفة (عبد الملك بن مروان) [3] ، وان ولوجه إلى عالم (مي) حبيبته في هذه القصيدة وغيرها، كان من أعنف الدواعي التي احتوتها نفسه نحو محبوبته (مي) وأغلاها [4] . لذا فالبعض يعتقد ان وصف (مي) والتغزل بها كان هدفًا بذاته في هذه القصيدة [5] . وهم بذلك يخالفون ما ذهب إليه الدكتور (شوقي ضيف) في هذا الصدد حين عدّ ذلك الوصف مفتاحًا لولوج
(1) الديوان، 6.
(2) التفسير النفسي للأدب، عز الدين إسماعيل، 93.
(3) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 78.
(4) ينظر: العمدة، ابن رشيق، 1/ 206.
(5) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 78.