الصفحة 86 من 118

وهذا الكشف عن تلك الخصوصية عند الشاعر توحي لعدد من النقاد بان

"حب الشاعر أصيل عميق، متغلغل في أبعاد النفس والعقل لم يكد رسيسه"

يبرح" [1] ."

وحين يصور الشاعر تعبه وتعب ناقته ويغفوا إلى جانبها يحلم بـ (مي) ، إذ يقول: [بسيط]

زار الخيال لميٍّ هاجعًا لعبت ... به التنائف والمهرية النجب [2] .

فكأنها شكوى المريض للمريض، وكأن الشاعر في هذه الصورة يصور الضياع الذي يعيشه وهو يقطع الصحراء بلا هدف، وتشاركه ناقته هذا الضياع، فهي تدرك جيدًا ما يريد الشاعر وإلى اين يتجه [3] .

تصغي إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب [4] .

وحين ينتقل الشاعر إلى تصوير (حمار الوحش) المقبل على الماء وهو

ظامئ، وحين يسعى إلى غايته لا يدري ما ينتظره من ظروف الدهر، إذ يكمن صائد من بني جلان، ثم تهرب دون ان يتمكن الصائد (القناص) من الظفر بها، فانه في هذه الصورة يمثل حالة من التداعي اللاشعوري، هو في حقيقته إحساس واقعي بحالة من الخذلان عاشها الشاعر، إلا ان الحياة انتصرت في نفس

الشاعر، وهذا ما ينهي به حالة الصراع القائم حين تطيش سهام الصائد، وهو في ذلك يغلب الحياة على الموت، إلا انه لم يجعل الحمر الوحشية ترتوي من الماء الذي كان ينسكب وهي ضمأى قاصدة الماء، وبذلك فان الحياة التي انتصرت لم تستكمل كل ما كان يرومه الشاعر في الحياة، وكثيرًا ما لايحقق البشر مراميهم فيها [5] .

(1) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 78 - 79.

(2) الديوان، 12.

(3) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 79 - 80.

(4) الديوان، 15.

(5) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 80 - 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت