ويشير الدكتور احسان عباس إلى ان ذا الرمة في شعره وصوره تلك وما شابهها إنما يتوجه للاهتمام بقصة الصراع الأبدي بين الموت والحياة في علاقات الانسان والحيوان، وهو كذلك اهتم بتصوير حياة الفصول والريح والمطر، وعلاقات الإنسان والحيوان بها [1] .
وما يكاد ذو الرمة يخرج من هذه المعركة بين الحياة والموت، حتى يدخل في معركة أخرى بين الثور الوحشي وكلاب الصيد، فذلك الثور الذي لاذ من المطر بظل (أرطأة) ، لم يلبث ان يواجه الموت حين تلاحقه كلاب الصيد الشرسة الجائعة، فيهرب امامها خائفًا من الموت متمسكًا بالحياة، إلا أن إحساس الكبر والأنفة من الفرار من ميدان المعركة يجعله يتراجع عن قراره ويقرر مواجهة الموت ولقاء أعدائه ثم ينتصر. [بسيط]
حتى إذا دوّمت في الأرض راجعه ... كبر ولو شاء نجّى نفسه الهرب [2] .
وهذه المعركة الجديدة التي يرسم خطوطها ذي الرمة، نحسه وقد استشعر هو نفسه ذلك الإحساس. وهو تعبير واضح عن قيم البدوي الاجتماعية، فالبدوي الذي يفر من أرض المعركة يلازمه عار ما بعده عار، وإلا فكيف يمكن لحيوان واثق من نجاته بالهرب، ان يعود إلى أرض المعركة!. كما يمكن القول أن الصورة التي قدمها ذو الرمة عن الظليم والنعامة هي صورة أخرى من صور التعبير عن مشاعر وأحاسيس تصور ألوانًا من التعاطف مع الحياة، وهو يصور عاطفة الأمومة والأبوة بشكل واضح، وهو ما يمكن ان يستشعره أي انسان [3] .
ومن الممكن أن يخلص الناقد الذي يتتبع ما أراد ان يثيره الشاعر من خلال قصيدته (البائية) تلك إلى ان الشاعر عاش في حالة من القلق تجاه الحياة، فالحياة عند ذي الرمة تولد لديه إحساس بالمشقة واللااطمئنان، وقد يكون مبعث ذلك الحياة التي عاشها في أحضان تلك الصحراء الشاسعة، في مدياتها اللامتناهية التي يمكنها
(1) فن الشعر: د. احسان عباس، 225.
(2) الديوان، 33.
(3) ذو الرمة دراسة ونقد، طراد الكبيسي، 82.