ابن القيم أن للعلماء فيهم قولين والذين ذكر فيهم القولين هم المتمكنون من الهدى والعلم ومعرفة الحق بالأسباب المتيسرة.
ثم تأمل ما ذكره عن بعض أهل الكلام أنه جعلهم بمنزلة من لم تبلغهم الدعوة وهؤلاء الصنف من الجهمية وغيرهم من عباد القبور كجهمية دبي وأبي ظبي قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة فإن حجة الله على خلقه القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة وقامت عليه قال الله تعالى (لأنذركم به ومن بلغ) وقال تعالى (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) .
وقد أجمع العلماء على أن من بلغته دعوة الرسول أن حجة الله قائمة عليه وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره فإن الكفار قد قامت عليهم حجة الله مع إخباره بأنهم جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كشف الشبهتين وفي كشف الأوهام وهذا يبين لك خطأ أخيك في قوله فقلنا هذا الصنف لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة لأنهم عوام لم يفهموا معاني القرآن ولم يكن لهم معرفة واطلاع بالتفاسير ولا بمنازعة أهل السنة والجماعة لعلمائهم الذين أضلوهم.
فقوله هذا كله خطأ محض فإن هذا لا يشترط في قيام الحجة فإن قيام الحجة وبلوغها نوع وفهمها نوع آخر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لما سئل عن هذه المسألة فأجاب السائل.
زـ إلى أن قال ابن سحمان: وكذلك قوله فأضله هؤلاء الزنادقة الكفار بموافقتهم له على ظاهر الآية فإن هذا لا يكون عذرا له وقد قال تعالى عن هذا الصنف من الناس أنهم يقولون (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) وقال تعالى عنهم (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار) وإذا أنكر هذا الصنف علو الله على خلقه فهم كفار لأن الله تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وزعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو القدرة على الأشياء كما تقوله الجهمية [1] فقد جحد علو الله على خلقه لأن الله مستول على الأشياء كلها وقادر عليها فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليه وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقولوا إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها.
وقد كان من المعلوم بالضرورة أن الاستواء هو العلو والارتفاع على العرش وعلى جميع المخلوقات فمن زعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو غير ذلك من تفاسير الجهمية [2] فقد جحد علو الله على خلقه
(1) ـ أي كما تقوله الجهمية بناء على أصلها في نفي الصفات والأسماء.
(2) ـ أنظر إلى هذا التقييد أي قاله على أصل الجهمية من النفي المحض للأسماء والصفات.