النزاع ويبين المراد بأنه لم تقم عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى أو يكون ذلك في الأمور التي قد يخفى دليلها [1] على بعض الناس ولذلك يذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء التي لم تخرجهم بدعتهم من الملة كالخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم أو كالذي نشأ ببادية بعيدة أو كان حديث عهد بالإسلام وكالذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويذروه في البحر فإن هذا وإن كان قد شك في قدرة الله فإنه كان موحدا ليس من أهل الشرك فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة ... لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد.
فمن كان مؤمنا بالله [2] ورسوله باطنا وظاهرا لكنه اجتهد في طلب الحق فأخطأ أو غلط أو جهل أو تأول فإن الله تعالى يغفر له خطأه كائنا من كان سواء كان في المسائل النظرية والعملية ومنشأ الغلط أن هؤلاء لما سمعوا كلام الشيخ رحمه الله في بعض أجوبته يقول بعدم تكفير الجاهل والمجتهد المخطئ والمتأول ظنوا أن هذا يعم كل خطأ وجهل واجتهاد وتأويل [3] وأجملوا ولم يفصلوا.
وهذا خطا محض فإنه ليس كل اجتهاد وجهل وخطأ وتأويل يغفر لصاحبه وأنه لا يكفر بذلك فإن ما علم بالضرورة من دين الإسلام كالإيمان بالله ورسوله وبما جاء به لا يعذر أحد بالجهل [4] بذلك فقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم.
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه وذلك كفر بإجماع العلماء [5] ولا عذر لمن كان حاله هكذا لكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها وإن لم يفهمها كما تقدم بيانه.
فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة بالضرورة مثل عبادة غير الله سبحانه ومثل جحد علو الله على خلقه ونفي صفات كماله ونعوت جلاله الذاتية والفعلية ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها.
(1) ـ انظر هنا إلى نقل ابن سحمان أن ابن تيمية يفرق بين المسائل الظاهرة وبين الخفية.
(2) ـ هذه قاعدة عظيمة لكن لا يدخل فيها من كان يذبح مثلا لغير الله لأنه ليس مؤمنا بالله بل مشركا، ولذا قال في هذه القاعدة من كان يؤمن بالله.
(3) ـ وهذا حال بعض المعاصرين اليوم بصّرنا الله وإياهم.
(4) ـ وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم وأئمة الدعوة بل مذهب أئمة الإسلام كلهم.
(5) ـ لأنها مسألة ظاهرة.