فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه رحمه الله لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له.
فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين وأما العراقي ـ أي داود بن جرجيس ـ وإخوانه المبطلون فشبهوا أن الشيخ لا يكفر الجاهل وأنه يقول هو معذور وأجملوا القول، ولم يفصلوا وجعلوا هذه الشبهة ترسا يدفعون بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وصاحوا على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين وإلى الله المصير وهو الحاكم بعلمه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون انتهى.
المسألة الخامسة: ما هي الحجة في المسائل الظاهرة:
أ ـ قال ابن سحمان في كشف الأوهام: إذا عرفت هذا فمسألة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله من المسائل الجلية الظاهرة ومما علم من الدين بالضرورة فإن الله قد وضحها في كتابه وعلى لسان رسوله فمن سمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فقد قامت عليه الحجة وإن لم يفهمها فإن كان ممن يقرأ القرآن فالأمر أعظم وأطم لا سيما إن عاند وزعم أن ما كان عليه هو الحق وأن القرآن لم يبين ذلك بيانا شافيا كافيا فهذا كفره أوضح من الشمس في نحر الظهيرة ولا يتوقف في كفره من عرف الإسلام وأحكامه وقواعده وبالجملة فمن دان بدين غير دين الإسلام وقام به هذا الوصف الذي يكون به كافرا فهو كافر ولا نحكم [1] على معين بالنار بل نكل أمره إلى الله وإلى علمه وحكمه في باطن أمره هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر. (قلت هذا حكم كافر التأويل في الدنيا على ظاهر حاله وفي الآخرة يقال الله أعلم)
وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن هذه المسألة فأجاب السائل بقوله هذا من العجب العجاب كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مرارا فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف وأما أصول الدين التي وضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هي القرآن فمن بلغه فقد بلغته الحجة ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم.
ب ـ إلى أن قال ابن سحمان في كشف الأوهام: وكذلك قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه الإلهية وحرقهم بالنار مع كونهم تلاميذ الصحابة ومع عبادتهم وهم أيضا يظنون أنهم على حق وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية وغيرهم مع كثرة علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يظنون
(1) ـ أولا: الكلام على الأحكام. ثانيا: أراد عدم التعميم فلا يكفر ولا يحكم على كل جاهل بل الجاهل الذي قامت عليه الحجة إما بالسماع أو التمكن والعيش مع المسلمين.