الصفحة 26 من 39

فالمصطلحات السائدة لدى القاضي والقضاء هي العدل بمقتضى الحاكمية والولاء والبراء وليس بمقتضى الاستقلالية والنزاهة والإنصاف والتاريخ والمكانة الاجتماعية.

لذا فإن دولة التوحيد لم تأت لتقيم دول أو تقسِّم مناطق أو تستعمرها أو تضمها إلى الدولة الأم أو تهيمن على السكان أو تنهب الخيرات والمقدرات كما فعلت الدول الاستعمارية، ذلك أن عقيدتها ليست قومية ولا عرقية ولا رأسمالية ولا اشتراكية ولا وطنية ولا هذا أو ذاك من الفلسفات التي يعج بها التاريخ والحاضر، ولو كان الأمر كما هو حال الدول الكبرى اليوم لكان كافيا أن تكون الدولة الإسلامية المفترضة على امتداد 1400عام أغنى الدول وأقواها وأشرسها.

بطبيعة الحال هذا هو التوصيف المثالي لدولة التوحيد، لكن طبائع النفس البشرية بما تكتنزه من خير وشر ستجعل من إقامة التوحيد مسألة نسبية. وسنجد في التاريخ الإسلامي كوارث وقتل وتحالفات مشبوهة وخيانات مثلما سنجد دعوات وغزوات وبطولات ورجال عز نظيرهم في التاريخ البشري ونهضة وعلوم وحضارة إسلامية بلغ إشعاعها مشارق الأرض ومغاربها، وتواصلت على امتداد مئات السنين، واستطاعت على الدوام تجاوز عثراتها واستيعاب نكباتها وهزائمها. المهم أن كل هذا حدث في إطار إسلامي وليس في إطار وضعي كما هو الحال الآن.

هكذا، فالعرب لم يَخْبَروا العيش في دولة عربية كما تروج لذلك أو تدعوا إليه الأيديولوجيات الوطنية والقومية والرأسمالية والاشتراكية وغيرها، كما أنهم، منذ مائتي سنة أو يزيد، وخاصة بعد اتفاقية سايكس - بيكو، لم يعيشوا في دولة إسلامية. وحقيقة الأمر أن الدول العربية الراهنة هي نتاج نقي لمعاهدات استعمارية ليس للعرب شأن في تكوينها لا من قريب ولا من بعيد مثلما أن المجتمعات العربية هي، أيضا، نتاج للمجتمع العثماني بكل صور تخلفه حتى ولو كان محكوما في الإطار الإسلامي. وبعيدا عن الأطروحات القيمية ذات النوازع الأيديولوجية والفلسفات الغيبية والعصبية التي تميز حالة الانحطاط العربي الراهن؛ فلا الشعوب ولا الأنظمة السياسية العربية الراهنة، على علاتها، قبلت يوما ما بهذه الصيغة من النشأة والاجتماع الإنساني. وعليه فلا الدولة القطرية لها أية مرجعية وطنية أو سياسية ولا الأيديولوجيات القومية وغيرها لها أي سند تاريخي. ولمثل هذه الأسباب وغيرها اعتقدت الكثير من الجماعات الإسلامية بمعية المفكرين الإسلاميين أن"الإسلام هو الحل"وروجت له كشعار، لكن بدلا من أن تؤدي تطبيقاته إلى توافق مع العقيدة رأت السلفية الجهادية أنه تلاحَم مع مخرجات ثقافة سايكس - بيكو وبات جزء منها سواء وعى ذلك أم جهله.

إلى هنا بوسعنا القول أن"التوحيد"كتعبير عن مشروع الدولة الإسلامية المقترحة من قبل السلفية الجهادية ليس مرتبطا قط بأية حدود جغرافية أو سياسات وضعية، وليست هذه المسائل من سماته ولا من تكويناته حتى يتبناها أو يتقبلها أو يفصِّل بها. فالدولة الإسلامية قائمة حيث تكون العقيدة وحيث يكون هناك مسلمون، وهم بهذا المعنى من رعاياها وتحت سلطانها ومسؤوليتها. ولما يكون هؤلاء واقعون، في قلب حواضرهم، خارج سلطان الشريعة؛ وبعضها مغتصب أو محتل أو مهدد أو مسلوب الإرادة فالواجب تحريرهم ونصرتهم بموجب ما تفرضه النصوص الشرعية. بهذا المنطق دشنت القاعدة في العراق مشروعها عبر إعلان تأسيس"دولة العراق الإسلامية". فأية معاني تضمنها هذا الإعلان؟ وأي تداعيات ترتبت عليه؟ وستترتب عليه مستقبلا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت