هذا الخبر كان مقدمة لما عزمت عليه القاعدة، فقبل يومين بالضبط من"إعلان دولة العراق الإسلامية"أُعلن عن تشكيل"حلف المطيبين"حيث ظهر في الشريط المقتضب بضعة ملثمين قيل أنهم من قادة العشائر ومجلس الشورى يتعاهدون فيه على تحكيم الشريعة والانتصار للجهاد والمجاهدين في العراق. وكان الإعلان عن تأسيس الدولة تدشينا للمرحلة الخامسة من فعاليات جماعة التوحيد والجهاد وميلاد عهد الصراع السياسي وبعض الصدامات المسلحة بين القاعدة وبعض الجماعات الجهادية.
كمنطلق منهجي للفهم، سنقتصر على المنطقة العربية في توصيف ماهية"دولة التوحيد"التي سبق وأشرنا إليها باعتبارها الأس العقدي للظاهرة السلفية. وواقع الأمر أن العرب، غساسنة ومناذرة، كانوا قبل البعثة النبوية منقسمين في تحالفاتهم ما بين الروم والفرس، وبعيدا عن الفلسفة الراهنة في نشأة الدول ونموها يمكن القول أن العرب لم يعيشوا قط في رحاب إطار سياسي مستقل يعبر عن مصالحهم وقوميتهم لا قبل الإسلام ولا بعده، لكنهم، منذ البعثة، عاشوا في إطار إسلامي. بطبيعة الحال يستحيل القبول بمعايير الدولة الحديثة للتقرير فيما إذا كان هذا الإطار يعبر عن مواصفات الدولة الراهنة أم لا. فالإسلام أتى بنظام حكم لكنه لم يأت بنظام دولة كما هو الآن (أرض وشعب وسلطة) ، وليس هذا نقيصة بما أن المسألة العقدية تتعلق بالدرجة الأساس بتحكيم الشريعة حيث يكون هناك تجمع إسلامي أيا كان نمط المعيش الذي يتخذه له، وليس بإقامة الدول أو تصنيف تفاضلي للقوميات والأعراق، بل أن الدولة الإسلامية لا يتوفر في قيامها لا شرط الشعب ولا شرط الأرض. فالمسلم هو من أهل الله والأرض لله والخليفة هو المكلف بتطبيق سلطان الله، وبالتالي فما من علاقة تذكر بين دولة التوحيد بالدولة الراهنة.
اشتهر الإسلام بأنه دعوة وغزوة في آن واحد، وهذا يحيلنا إلى القول أن الإسلام كونه آخر الأديان فهو مكلَّف من تابعيه بتبليغ الرسالة وإقامة حكم الله في الأرض، لذا كانت هناك غزوات استهدفت التمكين للدين ومن ثم فتوحات استهدفت نشره، وفرْق بين الفتح الإسلامي والعدوان الذي تمارسه الدول الكبرى في عصرنا الراهن. فالفتوحات المحكومة بضوابط الشريعة، سواء كانت صلحا أو عنوة، ليست لها أية أهداف غير نشر الدين وتحكيم الشريعة بخلاف الحروب الراهنة التي غدت عقائدها الأخلاقية والسياسية والعسكرية قائمة على تشريع السيطرة والهيمنة والسلب والنهب والقتل العشوائي وحصار الشعوب والأمم وتدمير البنى التحتية والتجويع والحرمان واستخدام أسلحة الإبادة وفرض الأيديولوجيات والثقافات وأنماط المعيش على الشعوب الضعيفة. ولما لم تكن الجيوش الإسلامية معنية لا بالقتل ولا بالتدخل في أنماط المعيش وإخضاع السكان وإذلالهم بقدر ما هي معنية بنقل المجتمعات المستهدفة بالفتح من منظومة المعايير الأخلاقية والدينية والوثنية والوضعية عامة إلى منظومة أخرى قوامها الشريعة الإسلامية، فالمطلوب إذن فقط تحكيم الشريعة وإخضاع السلوك الفردي والاجتماعي بكل تجلياته إلى منظومة العبادة والحلال والحرام والحقوق والواجبات دون تدخل في نمط المجتمع ونموه وخصوصياته التي كانت تترك لأهل البلد.
الأكيد أيضا أن أرفع ما في نظام الحكم الإسلامي هو منصب القضاء وليس الخليفة أو أمير المؤمنين أو السلطان، وحتى الخليفة لم يكن بمقدوره أن ينازع القاضي في سلطانه الذي هو سلطان الشريعة ذاتها،