لأسباب عديدة ليس التعقيد الشديد والغموض الذي يميزها أو السرية أو التحرج أو الحساسية إلا بعض منها. وفي المحصلة لدينا فقر مدقع في الرصيد المعرفي عن الظاهرة.
هذا لا يعني أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، وهنا بالذات تكمن المشكلة. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية وآلاف المجلدات من الكتب والأبحاث؟ لهذا من الواجب بداية التأكيد على (1) أننا في سياق البحث العلمي ما زلنا في المراحل الأولى من توصيف الظاهرة والتي نحسب أنها لن تنتهي قريبا و (2) أن التوصيف ينصب على الخطاب الفكري للظاهرة فقط. وهذا يعني أيضا أننا أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي.
لعل أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف ظاهرة السلفية الجهادية أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، لا شعوريا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه. والواقع أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الدينية الوحيدة التي ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. وهذا معطى حاسم يؤدي إلى:
1)النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع إسلامي لكنها بالتأكيد ليست جماعات دينية خالصة كما هي السلفية الجهادية، وبالتالي فهي تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير حاكمية الشريعة كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها.
2)تأسيسا على ما سبق وجب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة [1] .
رابعا: لغة التوصيف
إذن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض. ولهذا السبب، أكثر من
(1) لاحظ ردود الفعل العنيفة على خطاب بن لادن لـ:"أهل العراق - 23/ 10/2007"وكيف تعرضت قناة الجزيرة إلى نقد مرير وإعلان حرب عليها بسبب ما اعتبرته السلفية الجهادية تلبيسا للخطاب وتحويرا له عن مقاصده وإغفالا للقضايا الأخرى حين ركزت ومعلقيها على ما اعتبرته انتقاد بن لادن لأخطاء القاعدة في العراق بينما النقد وجه لجميع الجماعات وحتى الأفراد وعلى الخصوص منهم القاعدة باعتبار بن لادن زعيما لها. راجع: رد مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية للقاعدة والصادر عن مركز الفجر للإعلام (23/ 10/2007) ، وكذلك الهجمة التي قادها العضو"محب الإرهاب"نائب المشرف العام على شبكة الإخلاص، وكذا انتقادات د. أيمن الظواهري لأداء الجزيرة الانتقائي تجاه خطابات القاعدة في لقائه الرابع مع مؤسسة السحاب (17/ 12/2007) .