غيره، يحجم الباحثون عن الخوض في الظاهرة. أما الصعوبة فتكمن في عدة أسباب:
1)إن لغة الخطاب السلفي هي لغة العلم الشرعي التي لا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من يمتلك قدرا معقولا منه. وهذا يعني، مبدئيا، أن الخطاب السلفي يخاطب النخبة والمتخصصين أكثر مما يخاطب العامة. وحتى انتقادات رموز الجهاد العالمي تتوجه نحو النخبة من المشايخ والعلماء والقادة وليس نحو الأتباع والعامة من الناس الذين يستقبلون من السلفية خطابا تحريضيا.
2)غزارة الإنتاج المعرفي للسلفية وأنصارها عبر عديد المؤسسات الإعلامية والشبكات الجهادية، وبالتالي ثمة صعوبة فائقة في متابعة الأحداث والمواقف التي غالبا ما تصيغها هذه المؤسسات قبل أن يعبِّر الرموز عن مواقفهم تجاهها.
لذا من المهم التنبه إلى اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدر الأخبار الرئيسي فيما يتعلق بالتيار الجهادي، ولا نبالغ إذا قلنا أنها باتت سيفا ذو حدين، فهي من جهة تعبر عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، ومن جهة أخرى لها من القوة بحيث تقيد الرموز وتدفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها وإلا فقد يتعرض للطرد من رحابها إذا ما خالف توجهاتها أو شروط الكتابة فيها.
أولا: هوية السلفية الجهادية والأس العقدي للظاهرة
استقر مصطلح السلفية الجهادية في وسائل الإعلام ليعبر عن تيار جهادي ذو صبغة عالمية [1] ، لكنه في عرف أصحاب التيار لا يكفي لبلوغ المعنى الدقيق له فضلا عن أن ترويجه ينطوي على حصر للتيار في أطر ضيقة. فالوهابية مثلا تمثل أحد المصادر الشرعية والتاريخية للفكر الجهادي العالمي لكنها ليست المصدر الوحيد، وتبعا لذلك ليست السلفية الوهابية الجهادية هي التيار الجهادي العالمي ولا هي المخولة بالتحدث باسمه، كما أن التيار الجهادي أوسع، في مرجعياته ومكوناته، من أية مرجعية منفصلة. والحقيقة أن التصاق تعبير السلفية بالتيار الجهادي العالمي يمكن رده إلى عدة أسباب منها:
-كثرة منتسبيه من الجزيرة العربية وخاصة من السعودية إثر دخول الدولة على خط الجهاد الأفغاني الأول ودعمها لعديد القوى المنخرطة فيه وتوفير الغطاء المادي والإعلامي له وحتى الشرعي [2] .
-تبني الكثير من علماء السعودية للمشروع الجهادي ممن ذاع صيتهم في الأوساط الجهادية والإعلامية.
(1) في الدراسة موضع النظر سنعتمد مصطلح"السلفية الجهادية"إجرائيا بديلا عن أية مصطلحات أخرى لسلاسة المفهموم وشيوعه وسهولة استعماله في البحث.
(2) حتى سقوط كابول بيد المجاهدين الأفغان سنة 1991 كان عدد المتطوعين العرب القادمين من السعودية قد بلغ قرابة الـ 20 ألف متطوع. راجع: أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم) ، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، طبعة ذي القعدة 1425هـ/ ديسمبر 2004م، ص 896. واستشهد من المتطوعين العرب 1000 مقاتل من العدد الإجمالي خلال المرحلة الأولى من الجهاد الأفغاني.