الصفحة 29 من 39

ثانيا: المستوى الإقليمي

هو أعقد المستويات بالنظر إلى دقة حساباته، فالدول المحاذية للعراق أو القريبة منه باتت بين المطرقة والسندان، إذ أنها لا تستطيع المضي قُدُما وبلا هوادة في معاداة التيار السلفي بغير حساب لأن بعضها مهدد إما بالمشروع الصفوي وامتداداته المحتملة وإما بالتقسيم كما هو حال السعودية ومصر والعراق وإما بالهيمنة الأمريكية والإسرائيلية المباشرة على المنطقة خاصة وأنه ما من ضمانة يمكن أن يطمئن إليها أي طرف إزاء اندفاع المشروع الأمريكي الصهيوني أو توقفه عند حدود معينة، الأمر الذي يعرِّض هذه الأنظمة إلى مزيد من الحرج مع شعوبها ويهدد بسحب ما تبقى لديها من شرعية. لذا فالأنباء التي تتحدث عن تسرب للعناصر العربية باتجاه العراق بغية الالتحاق بالجماعات الجهادية قد يُفهَم منها على أنها نوع من غض الطرف على خلفية التقاطع في بعض المصالح دون أن يعني هذا قبولا أو تسليما بالأمر الواقع.

ولأن المشروع السلفي الجهادي، الذي لا تعنيه كثيرا حسابات الآخرين، له أيضا حساباته الشرعية فيما يتعلق بعبوره للحدود، فإن عدم مواجهته، من قبل الدول المجاورة، يُعَد مغامرة ذات عواقب وخيمة. فالسلفية ليست من النوع الذي يمكن التفاهم معه في منتصف الطريق، ولا هي تقبل بأنصاف الحلول ولا تعترف بقوانين ولا بنظام دولي ولا بعلاقات دولية ولا بشرعية محلية أو دولية، فضلا عن أنها تَسِمُ الأنظمة السياسية العربية بـ"الطواغيت"، الأمر الذي يستوجب محاربتها وإزالتها باعتبارها تحكم بغير الشريعة مثلما هي موالية للغرب وسببا في الظلم الواقع على الأمة.

ثالثا: المستوى الدولي

يمكن أن يقال الكثير عن السياسة الأمريكية في العراق ابتداء من علمها وتخطيطها للاحتلال والبقاء فيه طويلا، إلى الزعم بأن الولايات المتحدة جاءت بمشروع احتلال عسكري ولكنها فشلت في إدارة البلاد سياسيا، وفوجئت، أمنيا، بسرعة ظهور المقاومة وشراستها. كل التحليلات واردة تجاه حدث ما زال مستمرا ولم تنكشف أوراقه بعد. لكن ما لا يمكن التجاوز عنه بسهولة هو مصير إسرائيل والمنطقة فيما لو انسحبت الولايات المتحدة من العراق، فهذه مسألة ليست موضع تحليلات ولا تأويلات.

على أن المفاجأة الكبرى واقعة لا محالة فيما تواجهه الولايات المتحدة من عقيدة قتالية ذات محتوى ديني وأهداف دينية أكثر منها سياسية. ولا شك أن الأمريكيين يواجهون نمطا قتاليا لم يَخبَْروه بعد، ولا تنكشف أسراره خارج الميادين الحربية، وهذه بحد ذاتها عِلَّة تجعل من الحرب، في كثير من الأحايين، مجرد مغامرات خطرة وعصية على الفهم والدراسة. وبحسب تصريحات ضباطهم فهم يواجهون عدوا مصمما على القتال حتى الموت، في ظاهرة حربية فريدة من نوعها لم يسبق لهم أن خبروها في أية منطقة في العالم في العصر الحديث إذا ما قارنا القدرات العسكرية والإمكانيات المتوفرة بيد الطرفين.

صحيح أن الأمريكيين خاضوا أسوأ حرب في فيتنام، نتج عنها أسوأ انسحاب، لاحقتهم فيه قوات الفايتكونغ بالقصف وهم في المطارات وعلى السفن الحربية في مناظر مرعبة ومهينة. لكن المقارنة بين الانسحاب الأمريكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت