هو ما أثار حفيظة الجماعات الأخرى. والحقيقة أن ما تسميه السلفية الجهادية عموما والقاعدة خصوصا"ثمرة الجهاد"يُعَدّ مسألة حاسمة في إعلان دولة العراق الإسلامية لا ينبغي التقليل من شأنها كما يفعل البعض تحقيرا لها.
وفي هذا السياق، لعله من المفيد التذكير بالدور الكبير والحاسم الذي لعبه أبو أنس الشامي في التمهيد والدفع بالمجموعات العربية المقاتلة إلى الاندراج في صيغة جماعة منظمة، لكن ما هو أجدر بالملاحظة هو إصرار الشامي على اتخاذ اسم لهذه المجموعات خشية أن تقطف القوى العلمانية ما أسماه في حينه بـ"ثمرة الجهاد"، وهي خشية لم تكن وليدة الجماعات الجهادية التي لم تكن آنذاك قد ظهرت أو اشتد عودها على الأقل، والدليل على ذلك أن خشية الشامي على الجهاد وثمرته، وهو في خطواته الأولى، كان مصدرها بلسانه:"بعثي خبيث، أو علماني مرتد" [1] ولم تكن جماعة جهادية ما، وعليه فمن الصعب قبول فرضية أن إعلان الدولة كان موجها، آنذاك، ضد الجماعات الجهادية الأخرى حيث لم تكن قد ظهرت بعد، ومع ذلك ليس من السهل إغفال"فرضية الجبل" [2] من عقل السلفية الجهادية فيما يتعلق بإعلان الدولة خاصة وأن خطابات الأمير أبو عمر البغدادي ووزير دفاعه أبو حمزة المهاجر كانت تعج بعتاب الجماعات الجهادية التي رفضت، بعد أن اشتد ساعدها وتنازعتها القوى الإقليمية والأجنبية، ما جاهدت أصلا من أجله.
بل أن التوصيف الموضوعي والدقيق لا بد وأن يسلِّم بالقول أن"دولة العراق الإسلامية"لا يمكن لها أن تكون أو تظل أسيرة لمشروع القاعدة وحدها، خاصة بعد الإعلان عنها، ولعلنا نذهب أبعد من ذلك إلى الجزم بأن تعدد الجماعات المكونة للدولة زيادة على آلاف المبادرات الفردية التي التحقت بها معطوفا عليهم العشائر المؤيدة لمشروع الدولة أكثر من القاعدة فضلا عن الأنصار والمتعاطفين وذوي المصالح الذين ربطوا مصيرهم بالدولة يجعل من هذه الأخيرة ذات حصانة تستعصي على التفكك [3] بمجرد قرار تنظيمي أو إداري، فالدولة، بمختلف مكوناتها السوسيولوجية وعلاقاتها الاجتماعية، لم تعد ملكا للقاعدة ولا للبغدادي ولا حتى لبن لادن أو الظواهري. ولعل هذه المعطيات بالذات هي أكثر ما يثير حفيظة الخصوم الذين يصفونها بدولة الانترنت، وهو توصيف، بحسب الخطاب السلفي الجهادي، أقرب إلى"الحسد"و"الغيظ" [4] من قربه للواقع.
(1) الانتصار لأهل التوحيد، مصدر سابق، ص14.
(2) "فرضية الجبل"هي تعبير مستمد من وقائع غزوة أحد لما نزل الرماة عن الجبل اعتقادا منهم أن الجيش الإسلامي قد حسم المعركة فكانت النتيجة هزيمة ساحقة للمسلمين من بعد قوة، وحين تطبيقها على الجماعات الجهادية في العراق سيجد المراقب خلافات فيما بينها تتعلق بإجراء مفاوضات مع الأمريكيين أو الدخول في العملية السياسة، بحيث تبدو بعض الجماعات كما لو أنها نزلت عن الجبل، في وقت تستعر فيه الحرب ولم تحسم المعركة بعد مما أضعف فعاليات العمل الجهادي في العراق وهدد المشروع الجهادي برمته.
(3) يفضل مراجعة مقالة الباحث على المدونة:"في ضوء وقفات البغدادي: هل حل الدولة ممكن؟ -1"، 17/ 4/2007.
(4) لاحظ من جهة خطابي البغدادي: (1) "قل إني على بينة من ربي"وهو يتحدث عن"طائفة من الحُسَّاد"و (2) "حصاد السنين بدولة الموحدين"وهو يكرر لفظة"باقية"عن الدولة عشر مرات كمبررات لبقائها، راجع: خطابي أبو عمر البغدادي:"حصاد السنين بدولة الموحدين"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 17/ 4/2007، و"قل إني على بينة من ربي"، نفس المصدر، 13/ 3/2007. ومن جهة أخرى ما يراه أبو حمزة المهاجر تجاه الرافضين حتى أن خطابه اتخذ له عنوان:"قل موتوا بغيظكم"، أبو حمزة المهاجر،"قل موتوا بغيظكم"، شريط صوتي، مؤسسة الفرقان، 5/ 5/2007.