إعلاميا، ليس على المنابر ولا عبر البيانات أو الانشغال بالخطب الرنانة والاجتهادات الفقهية المستعصية على التطبيق، بل في الميادين العسكرية وعبر شعار:"الجواب ما ترى لا ما تسمع": (1) في صورة مقاتلين"أولي بأس شديد"، وهم يحطمون الآليات العسكرية الضخمة ويطايرون الأشلاء ويقطعون الأوصال ويدمرون الأبراج ويسقطون الطائرات ويقنصون الجنود ويخترقون الحصون والساحات، و (2) في مشهد"الفئة القليلة"من الأفراد ممن يتحصنون بالعقيدة وبإمكانيات بدائية لم تصل حتى إلى عُشر ما امتلكته المنظمات الفدائية عدة وعتادا، و (3) في صورة فترة زمنية قصيرة، تشعر السلفية الجهادية فيها أنها في وضع من"التمكين"والقدرة بما يكفي لنقل المعركة من الساحة الإسلامية إلى ساحة الخصم عبر شعار"اليوم نغزوهم ولا يغزوننا"وترجمته في صورة الهجوم على الولايات المتحدة في عقر دارها وهدم رموز القوة فيها واستباحة ديار من المفترض أنها آمنة وبعيدة عن التهديد والخطر كما هو حال الدول الأوروبية، بينما الخطاب السياسي العربي ورديفه الديني بكل ما يمتلكه من إمكانيات وعناصر للقوة بدا على امتداد عقود من الزمن أميل إلى المهادنة من التفكير بخوض أية مواجهة حقيقية كانت ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذا ما تسبب بانهيار مصداقية الخطاب الرسمي ذو اللغة الأمنية والإعلامية الاستفزازية أصلا في تعامله مع الظاهرة، وهي لغة تم فرضها حتى على لغة المراجعات لبعض الجماعات الإسلامية والمشايخ مما ساهم في
جعْل الخطاب السلفي الجهادي ذو جاذبية تستعصي على الكسر خاصة وهو يستفيد من سقم لغة الخصوم [1] .
ومع جاذبية الخطاب السلفي لدى العامة، فضلا عن الأنصار، يكون المشروع الجهادي، على المستوى الإسلامي في العالم، منهجا وعقيدة، قد تجاوز مرحلة الاندثار ونقطة اللاعودة، فالمسألة جد حاسمة فيما لو اطلعنا على خطابات قادة القاعدة في أفغانستان والعراق وتصريحات الأمريكيين والمراقبين. فمن جهة، وبدلا من أن نلحظ تراجعا، صرنا نرقب ولادة إمارات إسلامية وجبهات مفتوحة في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وما يشبه الطارئة كما في لبنان، وصرنا نقع على تصريحات قوية من نوع ما أتى به الظواهري:"القاعدة قصمت ظهر الأمريكان في العراق" [2] ، أو ما ورد في خطاب بن لادن لأهل العراق وهو يبشر بأنه:"سيعاد رسم خريطة المنطقة بأيدي المجاهدين بإذن الله وتمحى الحدود المصطنعة بأيدي الصليبيين لتقوم دولة الحق والعدل، دولة الإسلام الكبرى من المحيط إلى المحيط" [3] . وفي رسالته:"السبيل لإحباط المؤامرات"، جدد بن لادن قَسَمَه الشهير فيما يتعلق
(1) (بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد سنة 1979 رفع الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات شعار:"لا حرب بعد اليوم"، ومنذ ثلاثين عاما أو أكثر، ما زالت البيانات السورية تشتمل على عبارة ثابتة عقب تعرضها لأي هجوم إسرائيلي:"نحن من يحدد زمان المعركة ومكانها، ولن نسمح لأي كان أن يجر سوريا إلى معركة لا تحدد هي زمانها ومكانها"، وأخيرا صرح الأمير السعودي تركي الفيصل لوكالتي الأنباء الألمانية(د. ب. أ) و"رويترز"في كرونبرج بألمانيا:"إن عرض المبادرة العربية للسلام الشامل مع"إسرائيل"لايزال قائمًا"، وإن العالم العربي تجاوز بمبادرة عام 2002 بشكل حاسم مرحلة العداء ومد يد السلام إلى"إسرائيل". وطالب ... =
= بضرورة وضع"إسرائيل"ضمن"إطار جغرافي"يمتد من الخليج إلى المحيط الأطلسي"، راجع: موقع صحيفة الخليج الإماراتية (21/ 1/2008) ، على الشبكة: http://www.alkhaleej.co.ae/articles/show_article.cfm?val=471874."
(2) د. أيمن الظواهري،"رسالة إلى شعب باكستان"، شريط مرئي، مؤسسة السحاب، 28/ 4/2006.
(3) الشيخ أسامة بن لادن،"رسالة إلى أهل العراق"، شريط صوتي، مؤسسة السحاب، 23/ 10/2007.