عليها كلما بدا أنها تقترب من نبض أمة تشعر أن سلطانها مغتصب ومجدها وعقيدتها في مهب الريح، بخلاف الجماعات الأخرى التي توجه خطابها في غالب الأحوال لأفراد الجماعة بلغة سياسية أو أيديولوجية أو حتى أمنية قلّما يمكن الدفاع عنها شرعيا. كما أن السلفية كفكرة ليست تنظيما، فأي نصير للسلفية يمكنه أن يشارك في الحوار بحيث يثني ويمتثل مثلما يناصح وينتقد ويجاهر بخلافه مع رموزها الكبار دون أن ينتظر تهميشا أو نبذا أو تجميدا لعضوية أو تهديدا بقطع الراتب أو فقدان لضمانات الرعاية والصحة والتعليم والتشغيل وغيرها مما يُكَبَّل به الأعضاء عادة. فالعقيدة هي الحَكَم بين الأنصار والرموز وأهل الجهاد وليس التنظيم وما يقدمه من امتيازات. لكن مشكلة بعض الجماعات الإسلامية التي نخرتها الحزبية والعصبية التنظيمية إلى حد أنها تتعامل مع السلفية، باستخفاف ظاهري تارة وباستعلاء تارة أخرى، تبدو وكأنها تخوض معها صراعا على امتياز ما في حملة انتخابات نقابية بالكاد بدأت فعالياتها، في حين أن الكتلة السلفية برمتها لم يعد لها من امتياز حتى في الحياة الآمنة [1] وهذا ما يساهم في تعزيز مصداقية خطابها.
وفي السياق ذاته من الجاذبية يتجلى الخطاب السلفي على مرأى المُشاهِد ومسمعه كونه خطاب ذو طابع هجومي وهو يضع الجماعات الإسلامية كافة تحت مجهر الشريعة والتاريخ الإسلامي الحافل بالفتوحات والغزوات مما يجعلها في موقع الدفاع، فما لم يدركه الكثير أن التحصن في العلم الشرعي والتوسع في دراسة الفرق الإسلامية والملل والنحل والأديان والجماعات وغيرها مكّن السلفية من الوقوف على (1) مناهج و (2) عقائد هذه الجماعات وغيرها، وبالتالي أصبح بمقدوره تحديد الموقف الشرعي منها، وكشف حقيقة توجهاتها وصولا إلى إحراجها وحتى إدانتها إن لزم الأمر. وفي حين خلت أدبيات الجماعات الأخرى، مثلا، من مفردات الإرجاء والإرجاف والتخذيل والرِّدَّة والحاكمية والطاغوت والنصرة وجهاد الدفع والطلب وغيرها نرى الأطروحة السلفية، على العكس تماما، تعجّ بها وتستعملها كدليل شرعي لفضح ما تسميه"علماء السوء"و"تجار الدين"و"العصبية التنظيمية"، وساعية، بلا هوادة، لكشف عورات الجماعات الأخرى والطعن في مناهجها وعقائدها. إذ أن مثل هذه المفردات ليست مستوردة من السياسة والأيديولوجيا ووسائل الإعلام ولا من العقائد والفلسفات الوضعية ومناهجها، وعلى العكس من ذلك فهي جزء أصيل في الفكر الإسلامي والعقيدة، لكنها أُخفيت وغُيِّبَت عن مناهج التربية الدينية عند الجماعات الأخرى، فما كان من السلفية إلا أنْ أحيتها واستعملتها كسلاح في وجه القوى الإسلامية، أفرادا وجماعات ومؤسسات، لتعريتها وكشف حقيقة دعاواها وأطروحاتها تجاه الكثير من المسائل العقدية الغائبة عن أدبياتها، ولعل في هذا ما يفسر جانبا من شدة العداء والكراهية للسلفية الجهادية من قِبَل أقرانها.
والأرجح أن جاذبية الخطاب السلفي لا يمكن تفسيرها، أيضا، بمعزل عن الأداء المسلح للتيار الجهادي العالمي سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو الشيشان أو أفغانستان والعراق وغيرها من المناطق الساخنة، وهو ما يشكل علامات فارقة في مخرجات الخطاب الديني إذا ما قورن بمثيله الرسمي. فالخطاب السلفي يقدم نفسه،
(1) من الطريف أن يحدث هذا في وقت تتحدث فيه التقارير الأمريكية عما تواجهه السلطات السعودية من صعوبات في مواصلة:"محاربة جاذبية أيديولوجية القاعدة". راجع:"تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب الدولي في العام 2006 - المملكة العربية السعودية"، صادر من مكتب منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية في 30 نيسان/إبريل، 2007. على الشبكة: http://www.cdhrap.net/text/tqarer/alkarjeei/004/ 2006.htm