من الطبيعي أن يشهد العراق، كساحة صراع وحرب طاحنة، انفلاتات وصدامات بين القوى، ولئن تسرب الكثير منها، إلا أنها لم تكن لتأخذ طريقها إلى الإعلام بصورة صارخة لولا إعلان تأسيس دولة العراق الإسلامية. فالإعلان أطلق ما توارى من الخلافات المنهجية بين الجماعات الجهادية إلى السطح، وجهدت كل جماعة لإثبات وجهة نظرها عبر بيانات متبادلة تَصدَّرها قادة الجيش الإسلامي حتى وصلت إلى حد التشهير بالقاعدة متخذة من منهج التخطيء سبيلا لحرب إعلامية تمخض عنها صدامات مسلحة بين الجانبين كان أبرزها أحداث حي العامرية ببغداد. وبغض النظر عن صوابية أي طرف من الأطراف المعارضة لإعلان الدولة سواء كانت جبهة الجهاد والإصلاح أو هيئة علماء المسلمين أو حتى جبهة الجهاد والتغيير ناهيك عن أجنحة الإخوان المسلمين فالأكيد أن إعلان الدولة كانت له تداعيات كبرى على أكثر من مستوى:
أولا: المستوى المحلي
فقد كشف الإعلان، ليس فقط عن خلافات سياسية بين الجماعات الجهادية وافتقادها لمشروع موحد كما تقول الهيئة، بل عن أكثر من مشروع جهادي وليس مشروعا واحدا [1] . فالسلفية الجهادية وهي تعبر عن ذاتها بمشروع إعلان الدولة إنما ترفض حقيقة أن تظل حبيسة ما تراه حدود سايكس - بيكو، بعكس مشروع جبهة الجهاد والإصلاح التي تكتفي بدولة حديثة في العراق تضمن مصالح الجميع وتقيم علاقات جوار حسنة، أو مشروع جبهة الجهاد والتغيير التي تعتقد بالمرحلية. فالدولة بالنسبة للسلفية هي نواة خلافة وبالتالي نقطة ارتكاز استعدادا ومنطلقا لعبور إقليمي وعالمي نحو كل ما هو مسلم، وهو أمر ترى بعض الجماعات الأخرى أن وقته لم يحن بعد، وترى أخرى أنها ليست معنية في الدخول في صراع عالمي وحروب لا تنتهي.
وعلى هذا الأساس فقد شكل إعلان الدولة، على مستوى بعض الجماعات، فرصة: (1) لتمايز منهجي بين الجماعات من جهة وبينها والسلفية الجهادية من جهة أخرى فظهرت جبهات جديدة وتحالفات غير مفهومة، و (2) لتصفية الحسابات مع القاعدة على خلفية مشروع العبور سياسيا وعسكريا و (3) لشن حملات تشهير إعلامية منظمة ضد القاعدة أو دولة العراق الإسلامية دشنها البيان الشهير للجيش الإسلامي (4/ 5/2007) من جهة إلى جانب الحزب الإسلامي من جهة أخرى وشاركت بها جماعات وقوى سياسية أخرى بنسب متفاوتة
و (4) للبحث عن مخرج سياسي يقطع الطريق على مشروع القاعدة.
لكن على مستوى القاعدة فالإعلان عن الدولة جاء للحيلولة دون أية قوة سياسية قد تُسوِّق نفسها لقطف ما تسميه"ثمرة الجهاد"، فالتجارب العلمانية أثبتت أن قوى المقاومة غالبا ما خسرت نضالاتها وجهودها في التحرير لصالح قوى أخرى نجحت في الاستحواذ على ثمار المقاومة، وكذا الأمر حصل فيما يتعلق بالجماعات الجهادية في أفغانستان والبوسنة. كما أن الإعلان مكن القاعدة من استقطاب عشرات الجماعات الجهادية الصغيرة وآلاف الأفراد والعلماء والخبراء وغيرهم ممن التحقوا بالدولة التي تحولت إلى ملاذ ابتلع القاعدة وحولها إلى كينونة محلية بنسبة 90% [2] . ولعل هذا التضخم الذي بني في جزء منه على استنزاف في الموارد البشرية للجماعات الأخرى
(1) هيئة علماء المسلمين في العراق:"رسالة مفتوحة إلى أبنائنا وإخواننا المجاهدين، الصابرين المرابطين على أرض العراق"، 5/ 9/2007. موقع الهيئة على الشبكة: http://www.iraq-amsi.org/index.php.
(2) الضاري في"ضيف المنتصف"على قناة الجزيرة، مصدر سابق. وكنا قد أشرنا إلى هذه النسبة في مقالة سابقة على مدونة الباحث بعنوان:"هل حققت"راند"اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟"نشرت بتاريخ 8/ 4/2007، على الشبكة: ... http://drakramhijazi.maktoobblog.com/، لكن أهمية تصريحات الشيخ حارث الضاري حول هوية تنظيم القاعدة في العراق تكمن في كونها الأولى التي تصدر عن مسؤول عراقي رفيع خاصة وأنه مرجع ديني.