الصفحة 10 من 39

ثانيا: الأدوات الضاربة للسلفية الجهادية

لا شك أن الموضوع بالغ التعقيد، فالمعطى البارز الذي أمكن ملاحظته، مع بروز ظاهرة الجهاد العالمي، يكمن في تراجع نمط المقاومة ذات الطابع الوطني أو القومي وتَقَدُّم"الجهاد"بديلا عن"المقاومة"كمصطلح ومضمون، فما من أحد يتكلم اليوم عن نضال وطني أو قومي أو أممي ولا عن وحدة عربية شاملة ولا جزئية ولا حتى عن تنسيق عربي، وعلى العكس من ذلك فإن أغلب الجماعات المسلحة الحديثة، خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، اتخذت من الجهاد منهجا لانطلاقتها ومن التراث الإسلامي تسمية لها.

وها هي السلفية الجهادية تقدم نفسها تيارا من رحم العقيدة يسعى إلى بلوغ مصالح الأمة الإسلامية في ضوء الدعوة إلى التوحيد وإقامة الدين، وعبر مجاهدة ما تعتبره"طواغيت العرب"و"طواغيت العجم". فالمسألة إذن ذات منحى مختلف عما شهدناه طوال عقود من جماعات إسلامية سياسية بعضها عالمي النشأة والتوجه لكن الكثير منها حبيس تأويلات جعلتها أقرب إلى المحلية من أية صفة عالمية. وتبعا لذلك فإن تيار الجهاد العالمي تجاوز المسألة التنظيمية واستقر الآن كفكرة (= منهجا وعقيدة) تتعلق بالأفراد عامة أو ما يسمى بـ"الخلايا النائمة"خاصة مثلما تتعلق بالجماعات الجهادية المنظمة، وموضوعيا يصعب الإحاطة بالأمرين إن لم يكن مستحيلا.

وفي ذات القراءة، على مستوى الاعتقاد والمنهج، يصعب رد جماعة جهادية إلى السلفية أو تبرئتها منها خاصة وأن السلفية الجهادية أثرت كثيرا في مناهج بعض الجماعات وسلوكها السياسي فضلا عن تأثيرات خطاب الظاهرة نفسه على أفراد الجماعات الجهادية ذات الطابع الوطني بحيث يمكن ملاحظة انتشار الخطاب الجهادي العالمي في صلب هذه الجماعات دون أن يعني ذلك تبنيها له رسميا لأكثر من سبب. بل أننا لا نستبعد أن يكون التأثير قد وصل إلى رؤوس القيادات العسكرية والسياسية على السواء.

أما الرموز الكبار في السلفية الجهادية كـ: بن لادن والظواهري فنحسب أن فعاليات التيار الجهادي العالمي قد تجاوزتهم على الرغم من ثقلهم ومشروعيتهم كقيادة تاريخية، إذ أن بقاءهم على سطح الأحداث أو اختفاءهم لم يعد يقدم كثيرا أو قليلا في انتشار الظاهرة وترسخها خاصة وأن مكوناتها وآليات اشتغالها باتت على الأغلب ذاتية المنشأ والدفع، ومثل هذا التوصيف ينطبق حتى على تنظيم قاعدة الجهاد ذاته. وهذا مؤشر على أن الرموز الأفقية للظاهرة أكبر وأخطر من الرموز المألوفة وأدعى لاستمراريتها، ونعني بذلك شرائح العلماء والفقهاء وطلبة العلم الشرعي والأنصار والقيادات المتوارية عن أنظار الإعلام وكل المؤمنين بفكرة الجهاد العالمي سواء المؤطرين منهم في تنظيمات مسلحة أو ممن ليست لهم أية سوابق تنظيمية.

كل هؤلاء يشكلون، في واقع الأمر، أدوات ضاربة باعتبارهم جبهة أكثر منهم خلايا نائمة، فهم مشاركون في الإعلام الجهادي بفعالية، وفي توسيع جبهة الأنصار وفي حشد المعلومات ونشرها وتوزيعها وفي خوض نقاشات متشعبة ومرهقة مع القوى الأخرى بما فيها الجماعات المخالفة والخصيمة لفكرة الجهاد العالمي، والثابت أن صراحة الأطروحة الجهادية ووضوحها وصرامتها وثباتها تجعل من الأطروحات الأخرى، في أحسن الأحوال، في موقف الدفاع غالبا. فالكثير من القوى الإسلامية، أفرادا وجماعات (رسميين أو غير رسميين) ، سبق لها وأن ناهضت مفاهيم كالديمقراطية والوطنية وموالاة النظم السياسية والتشريعية والدولية لكنها عادت إلى تبريرها والدفاع عنها والمشاركة في مؤسساتها وطلب نصرتها، ومثل هذه القوى تجد نفسها في موقع الحرج والإدانة من قبل السلفية الجهادية التي تعيب عليها تأرجح مواقفها السياسية وتوظيف الدين للدفاع عن أطروحات سبق لها وأن نبذتها، وإذا كان حقا لها أن تعبّر عن نفسها كجماعة سياسية فهذا شأنها أما أن تنسب نفسها إلى الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت