على مستوى الفرد أو الجماعة أو الدولة أو المؤسسة أو حتى الفعل والسلوك الفردي. فسايكس - بيكو مثلا، كاتفاقية استعمارية، عنيت بتقسيم الوطن العربي إلى عديد الدول إنما ولدت كحالة سياسية لا تمت إلى التاريخ العربي والإسلامي بصلة فإذا بها تتحول على مَرّ العقود إلى مكاسب ومنجزات وطنية وحالة ثقافية تعبر عن أنماط سياسية واجتماعية واقتصادية وسلوكية كما لو أنها أصيلة وليست مستحدثة. بينما في عرف السلفية الجهادية فإن كل مكونات سايكس - بيكو ليست سوى منتجات لأيديولوجيا غير مشروعة لا بد من هدمها والتخلص منها. فالقضاء منظومة قانونية ودستورية وضعية، والحكم في الدولة يستند إلى مؤسسات تشرِّع من دون الله، والتعليم غيَّب العلم الشرعي وأنتج علماء وفقهاء يشرِّعون للوضع القائم، والاقتصاد تحكمه قوانين الربا، والتجارة بيد نخبة تمارس الاحتكار والهيمنة والربح غير المشروع، والثقافة غربية الطابع، والعلاقات الدولية مرهونة بإرادات القوى العظمى ومصالحها، والبلاد بعضها مغتصب والآخر محتل أو مهدد، والدين ضائع ومضيَّع، ولا شك أن القائمة لا تنتهي.
لكن للوصول إلى فهم أدق وأشمل لمفهوم التوحيد وإسقاطاته يمكن الانطلاق من التكليف الإلهي للنبي إبراهيم عليه السلام وهو يتلقى عن ربه أمرا صريحا: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} - الحج27. وهذا يعني: (1) أنه أيا كانت معتقدات الناس فهم مأمورون بالتوحيد حتى ولو كانوا في فج عميق، و (2) أن التوحيد ليس له سقف جغرافي لأنه لا يعترف أصلا بأية فواصل أو حدود، لذا فمن (3) الأولى القول أن كافة المسلمين حيثما وُجِدوا فهم معنيون بدعوة التوحيد قبل غيرهم. وعليه فالتوحيد كلية لا تتجزأ ولا تقبل القسمة. فحيثما وُجد مسلم وُجِدت العقيدة ووُجد التوحيد والموحدون، وبالتالي فهم من مشمولات دولة التوحيد، وإذا ما أقيمت دولة إسلامية تحكم بموجب الشريعة فهذا يعني أنها ستكون معنية بمصالح كافة المسلمين في شتى أنحاء الأرض، ولا يجوز والحالة هذه الاعتقاد بوجود توحيد ذو نكهة وطنية كأن تزعم دولة إقامتها للتوحيد ضمن حدودها وسيادتها وتعفي نفسها من أية مسؤولية تجاه المسلمين الآخرين باعتبارهم رعايا دول أخرى. لذا لا تعترف السلفية الجهادية بأية تقيّة في التوحيد، ولا معنى عندها لأي توحيد سياسي أو وطني أو قومي أو مرحلي. فهل هذا هو معنى الشمولية التي يتحدث عنها المقدسي؟ سنرى لاحقا.
أما عقيدة الولاء والبراء عند السلفية الجهادية فهي المعيار المعتمد في قياس مدى نقاوة التوحيد لدى الأفراد والجماعات الإسلامية. وبهذا المعيار رأت السلفية، مثلا، في الحكام"طواغيت"هم ومن والاهم وساندهم أو شرع لسلطانهم ودعم تشريعاتهم، لكن مع التفصيل في الأمر، فقهيا، فيمن كان كفره ظاهرا أو خفيا ونحو ذلك. أما فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية والجهادية فأغلبها، في أحسن الأحوال، بعيدة عن عقيدة الولاء والبراء التي تفرض على المسلم موالاة المسلم والتبرؤ من المشرك ومظاهر الشرك، ووفق هذه العقيدة فالمسلم الموحد مُلزَم بمبدأ الأخوة الإسلامية بديلا عن الأخوة الوطنية، وملزم بالنصح لإخوانه بديلا عن تتبع عوراتهم، وملزم بالحاكمية بديلا عن التشريعات الوضعية، وملزم بالنصرة بديلا عن التخذيل، وهكذا. لكن ذروة عقيدة الولاء والبراء لا تقع في مستوى النماذج النظرية التي ذكرنا بعض صورها بل في مستوى تطبيقات النماذج، فما تراه بعض الجماعات والعلماء مسائل خلافية تحتمل التأويل والتفصيل تراه السلفية الجهادية من جهتها تمييعا للعقيدة وتخذيلا أو إرجافا أو إرجاء، كالوطنية والديمقراطية والاستعانة بالأجنبي والاحتكام إلى الشرائع الوضعية والمفاوضات وغيرها.