الصفحة 8 من 39

هذه الأطروحة ترى، ولا شك، أن الشرك يداخل الأمة من جوانب عدة، وعليه فهي تقدم"التوحيد"أو إقامة"الحاكمية"كهدف وغاية ليس الجهاد إلا الوسيلة الرئيسية لتحقيقها إلى جانب الدعوة. وهي رؤيا تنسف كافة الأطروحات الدعوية السابقة عليها سواء تلك التي نأَتْ بنفسها عن الوضع القائم أو شاركت به كـ:"بعض الحركات السلفية (التي) تقزم وتحصر دعوة التوحيد على شرك التمائم والتولة والقبور ولا تتعرض من قريب أو بعيد إلى شرك الحكام والمشرعين والقوانين والقصور، بل قد تكون ممن يسير في ركاب الحكام ويعمل على تثبيت عروشهم"، أو تلك التي عبرت عنها أطروحات:"بعض الحركات الجهادية (التي) تبوتق جهادها وتحصره في منطلقات وطنية وترفض رفضا جازما وحاسما أن تتعدى بجهادها حدود الوطن" [1] .

وعطفا على ما انتهى إليه المقدسي:

"فالتيار السلفي الجهادي يخالف هؤلاء وهؤلاء. ومن أجل ذلك فهو يدعو إلى التوحيد بشموليته وفي كل مكان فحيث وجد الخلق شرعت دعوتهم إلى التوحيد بشموليته وحيث وجدت هذه الدعوة وجد الجهاد من أجلها وفي سبيلها ... ولذلك فأنت ترى أن هذا التيار لا يحصر جهاده في بقعة معينة من الأرض من منطلقات قومية أو أرضية بل ميدانه هي الأرض كلها فتجد أبناءه يجاهدون في شتى بقاع الأرض ... فرق بين الاجتهادات النابعة من السياسة الشرعية وبين الثوابت والأصول النابعة عن الوطنية أو نحوها من الموازين الجاهلية" [2] .

ويغلب علينا القول بأن توصيف المقدسي هذا يعد نموذجا ممتازا للغوص في أعماق الأطروحة السلفية الجهادية وليس فقط البحث في ماهيتها. فإذا ما استبعدنا الجهاد كوسيلة لإقامة الحاكمية وانطلقنا من التوحيد بوصفه أهم المفاهيم التي تميز السلفية الجهادية على الإطلاق، وما دونه تفاصيل، فإن خصائص الظاهرة يمكن استخراجها بيسر من رحم المفهوم وإسقاطها على كافة الأدوات الضاربة للسلفية الجهادية ابتداء من الفلبين وحتى المغرب.

فالتوحيد بمعناه الشرعي يستدعي الكفر بالطاغوت. فكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر شرعا أو فاسق أو ظالم أو كلها معا، وبالتالي فهو مفهوم يحيل السلفية الجهادية إلى مرجعية وحيدة في الحكم على الأقوال والأفعال والنوازل أيا كان مصدرها ومكانها، فإذا ما وافقت الشريعة كان بها وإلا فهي قطعا باطلة ومنبوذة ومحاربة. وتبعا لذلك فالسلفية الجهادية ستجد نفسها، مختارة، في صدام حتمي مع كافة منتجات الحضارة الراهنة ابتداء من النظم الفكرية والأيديولوجية والدينية والأخلاقية وانتهاء بكل تجلياتها المادية من هياكل وبنى على اختلاف تشكيلاتها ومستوياتها. لكن هذا الصدام القائم لا يعني أن السلفية بصدد ممارسة الهدم بمعناه التقليدي، بالنسبة إليها فالهدف هو القضاء على منظومة العلاقات التي تتحكم بمصائر البشر سواء كانوا مسلمين أو"مستضغفين"، إذ أن العلاقات السائدة في النظام الدولي فضلا عن أنها تفرض على"المؤمنين"تشريعات"كفرية"لا يجوز الاحتكام إليها فهي أيضا تفرض علاقات هيمنة وتسلط ونهب وإذلال وإهانة خاصة للمسلمين وبالتالي تجب محاربتها والتخلص من سطوتها.

ولا ريب أن إسقاط المفهوم"التوحيد"على المنطقة العربية، كنموذج للمعاينة، ستكون له انعكاسات جوهرية على واقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بل أن انعكاساته ستطال كل مكون أو معطى سواء

(1) نفس المصدر.

(2) نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت