الضابط الثالث
تحري صحة الخبر ودقة نقله
إن من القواعد العلمية المتفق عليها بين العقلاء عامة، وبين العلماء والدعاة وطلبة العلم خاصة، وجوب تحري صحة الخبر والتأني في نقله حتى يُتَثَبَّتَ منه، فلا يكون الإنسان عجولًا يلقي أحكامه قبل فحص الأخبار، ويقبلها قبل عرضها على قواعد وموازين فحصها، فكم جرَّ التسرع وضعف التثبت والتحري على كثير من الدعاة المشكلات والنزعات، وكم أوغرت الصدور ومزقت الصفوف وأرعدت الأنوف.
إن أصل هذا الضابط المهم في تلقي الأخبار والرواية والعمل بها هو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [1] .
قال صاحب فتح القدير:"والمراد من التبين, التعرف والتفحص, ومن التثبت الأناة وعدم العجلة ,والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد, حتى يتضح ويظهر" [2]
وقال ابن كثير رحمه الله:"أمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له, لئلا يحكم بقوله, فيكون في نفس الأمر كاذبًا أو مخطئًا فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه, وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين" [3]
وفي سبب نزول هذه الآية روى الإمام أحمد بسنده عن الحارث بن ضرار الخزاعي - رضي الله عنه - قال: قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاني إلى الإسلام
(1) سورة الحجرات آية (6)
(2) فتح القدير (5/ 86)
(3) تفسير ابن كثير (4/ 266)