اعلم أن أهل العلم دأبوا على تقرير الجوانب الإيجابية في المنهج الذي يكون عليه أي إنسان, مع إثبات ما فيه من اضطراب وانحراف, وهذا هو الإنصاف والعدل الذي قامت به السماوات والأرض, وإن فقدنا هذا الميزان, فإنه ستشيع في الناس الاتهامات, وتكثر الافتراءات, ويصل الحال بالبعض إلى أن يرموا بالعلم وأهله جملة وتفصيلًا, وقد يتطاولون بألفاظ السب والتجديع, والظن والتبدبع, لكن العدل بالنظر لكلا الحالتين من صواب وخطأ كما قال ابن القيم رحمه الله:"فإن كل طائفة معها حق وباطل, فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق, ورد ما قالوه من الباطل, ومن فتح الله تعالى له هذه الطريقة؛ فقد فتح له من العلم والدين كل باب, ويسر عليه فيها الأسباب" [1]
لذلك قلت أذكر بعض نماذج العدل عند أهل العلم من سلفنا الصالح عند ذكر بعضهم بعضًا، منهجهم عدم المحاباة أو ذكر الصواب دون الخطأ أو الخطأ دون الصواب منها:
1 -قال عبد الله بن الزبير الحميدي:
"كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة, فقال لي ذات يوم: ها هنا رجل من قريش له بيان ومعرفة, فقلت: من هو؟ فقال: محمد بن إدريس الشافعي، وكان أحمد قد جالسه بالعراق, فلم يزل بي حتى اجترني إليه, فجلسنا إليه ودارت مسائل, فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت - يعني الشافعي في هذه المناظرة- فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه, وكان ذلك مني بالقرشية- يعني لأنه قرشي مثله- فجعل يذكر الأخطاء فقط التي أخطأ فيها الشافعي حسدًا منه, فقال لي أحمد: فأنت ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان, تمر مائة مسألة يخطئ في خمسة أو عشرًا, اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب" [2]
2 -وقال الذهبي:
"لو حابيت أحدًا لحابيت أبا علي لمكان علو روايته في القراءات" [3]
3 -قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الإمام محمد بن حزم:
"أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل, إنه يستحمد بموافقة السنة والحديث, مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء, بخلاف ما انفرد فيه من قوله في التفضيل بين الصحابة, وكذلك ما ذكره في باب الصفات, فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث, لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة, ويعظم السلف وأئمة الحديث, ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها, ولا ريب أنه موافق له ولهم"
(1) طريق الهجرتين (1/ 570)
(2) آداب الشافعي ومناقبه للرازي (44)
(3) سير أعلام النبلاء