فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 224

الضابط الثاني

تجريد المنهج من أي منطلق غير شرعي

إن أهمية تجريد المنهج النقدي من أي منطلقات غير شرعية, تتجلى في نتائج النقد الحميدة المثمرة، وتفضي إلى التصحيح المراد, وتجعل النقد يقوم على أسس شرعية واضحة, لا على ناقد يحمل في ذهنه فكرة مسبقة وحكمًا جاهزًا, غير مستعد أن يتنازل عنها أو تهتز عنده، وخلفيات معينة لا يتجرد منها، بل يميل عن الحق ميلًا واضحًا منتصرًا إليها.

لذلك ضبط المنهج النقدي في الحكم على الآخرين، لا يكون إلا بجعل النص الشرعي أحب إلينا من أهوائنا وآرائنا، وأحزابنا وأشياخنا، وعشائرنا وأنفسنا ومصالحنا الذاتية، فلا يمنعنا شيء من ذلك عن متابعة الحق ونصرته أين كان، ومع من كان, ولا يتحقق ذلك إلا بتجريد المتابعة لأمر الله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - من أي رابطة أو وشيجة, تحُول بين المرء واتباع الحق والنزول عنده، ومتى كان الخلاف والتفرق متحققان, ولا يوجد تجرد من منطلقات المختلفين، يبقى توحيد المسلمين تحت راية واحدة وجماعة واحدة, مجرد شعار صعب المنال لا يلامس الواقع بشيء.

هذه العقبة الكئود التي تعترض العمل الإسلامي اليوم, لا يمكن لنا أن نتجاوزها إلا إذا رضينا لأنفسنا التجرد والبعد عن الانطلاقات غير الشرعية التي يتبعها كثير من المسلمين اليوم.

فقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [1] .

قال ابن كثير رحمه الله:"وقوله:"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ", أي عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سبيله ومنهاجه؛ وطريقته وسنته وشريعته؛ فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله - صلى الله عليه وسلم - , فما وافق ذلك قبل؛ وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان؛ كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" [2] , فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا,"أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ", أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة,"أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ", أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك" [3]

قال الإمام أحمد رحمه الله في معرض حديثه عن هذه الآية:"الفتنة هي الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء منه فيهلكه, وجعل يتلو هذه الآية {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [4] "

وقيل له رحمة الله عليه: إن قومًا يَدَعون - يتركون - الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان فقال:"أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا"

(1) سورة النور آية (63)

(2) صحيح: رواه البخاري ومسلم

(3) تفسير ابن كثير (3/ 409)

(4) سورة النساء آية (65)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت