فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 224

فلا يفرق هذا الكثير، بين الاختلاف السائغ الذي وَسِعَهُ منهج الصحابة - رضي الله عنهم - ومن تبعهم بإحسان، فلا يُعَدُ المخالف فيها عاصيًا، ولا يكون الخلاف نفسه منكرًا يُنْكَرُ على أهله، وبسببه يهجروا ويفارقوا، وبين الاختلاف الذي لا يسوغ ولا يعتبر، فيخرج أصحابه عن منهج الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا يعد منكرًا يجب إنكاره وإزالته، وهجر أهله ومفارقتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف شيعًا، وصار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر، والإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك، ثم ظنوا أنه يوافقها بتحرير دلالاتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم، يشرعوا في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل أن يدفع منازعه من الاحتجاج بها" [1] .

وعليه فإن الاختلافات الموجودة اليوم، التي تسبب افتراقًا وعداءً في الأمة لو رُدت لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} [2] ، ولقوله عز وجل: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [3] ،

(1) الفتاوى (13/ 58)

(2) سورة النساء آية (59)

(3) سورة النساء آية (83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت