وأخيرًا: إن الجدال بالتي أحسن, والمناقشة للواقع والحلول المقترحة له بهدوء وروية, هو خير سبيل يُخْرِجُ المسلمين من هذا المأزق الخطير الذي يعانون منه, فما المانع أن يتناقش المسلمون وأصحاب الدعوات فيما بينهم, بحثًا عن الحق وطلبه, ومعرفة الباطل ورفضه, والله جل وعلا يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [1] ,
قال مجاهد:"فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل, والتنبيه على حججه وآياته, رجاء إجابتهم إلى الإيمان, لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة" [2]
فأهل الكتاب من يهود ونصارى نخاطبهم بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم, أليس المسلمون أولى بأن يُجَادلوا بالتي هي أحسن؟! ولماذا لا يتفق المسلمون اليوم على كلمة سواء بينهم يمنعون بها هذا التشرذم الذي أصابهم, والله تعالى يقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [3] , أفيعجز المسلمون أن يدعو بعضهم بعضًا إلى كلمة سواء, إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
إن المسلمين أولى بالدعوة إلى توحيد الله وحده وألا يشركوا به شيئًا، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، لا من السلاطين الطغاة
(1) سورة العنكبوت (46)
(2) تفسير القرطبي (13/ 331)
(3) سورة آل عمران (64)