ومن شعره الذي يتّسم بالحكمة وتصوير الواقع قوله في رثاء أخيه لأمه اربد بن قيس:
فلا جزع أن فرّق الدهر بيننا
فكل امرئ يومًا به الدهر فاجع
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولابدّ يومًا أن ترد الودائع
وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه
يحور رمادًا بعد اذ هو ساطع
أخبّر أخبار القرون التي مضت
أدبّ كأني كلما قمت راكع
أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى
وأي كريم لم تصبه القوارع
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وفي ديوانه أشعار كثيرة لها هذا الطابع الذي ينمّ عن رؤية موضوعية للدنيا وأحداثها وموقف الإنسان منها.
ولبيد إلى جانب أنه اشتهر بالشعر الجيد والمرتبة المتقدمة بين شعراء عصره كان فارسًا شجاعًا سخيًا، وقد سكن الكوفة واستقر بها حتى وفاته، وتنسك في عبادته فانقطع عن الشعر تأثمًا من قوله، ولما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى عامله بالكوفة بما نصه:"سل لبيدًا والأغلب العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران" (5) وقد امتد به العمر حتى يقال انه شكا طول الحياة فقال هذا البيت:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
وتعددت الروايات حول تحديد عمره واختلفت في سياقاتها، فقد أورد بن حجر العسقلاني في (الاصابة) الروايات الآتية:"قال هشام بن الكلبي وغيره: إنه عاش مائة وثلاثين سنة، وفي حكاية الشعبي مع عبدالملك بن مروان أنه عاش مائة وأربعين، وقال البخاري قال الأُويسي عن مالك: عاش لبيد مائة وستين سنة".. ولاشك أن لبيد بن ربيعة شاعر كبير في الجاهلية وصحابي أوّاب في الإسلام، وأنه عُمّر طويلًا ولم يكن له صوت مسموع في الشعر كما كان في الجاهلية فقد تخلّى عنه لتنسكه ولاتجاهه للقرآن، وبهذا يتبين كيف يصنع الإسلام النفوس ويزكيها.
الهوامش
(1) شرح أحمد الأمين الشنقيطي
(2) المدعدعه: الممتلئة
(3) الخيضعه: الخوذة التي تلبس في الحرب