ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لاأدري لعلكم ستكلفونني ماكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق، إن الله اصطفى محمدًا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس لأحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة -ضربة سوط فما دونها- ألا وإن لي شيطانًا يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني لاأؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإنه ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في جهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قومًا نسوا آجالهم، وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإياكم أن تكونوا مثلهم، الجد الجد، والوحا الوحاء، والنجا النجاء، فإن وراءكم طالبا حثيثا- مره سريع - احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والأخوان، ولاتغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات [1] وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لايقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم، فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم، اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس، وأين هم اليوم، أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب، قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميمًا، قد تولت عليهم العالات ...
(1) البداية والنهاية (6/307) .