وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلاشئ، إلا أن الله عزوجل قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبعثنا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن انحدرنا كنا مثلهم، أين الوضاءة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا، وصار مافرطوا فيه حسرة عليهم، أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} (سورة مريم، آية:98) ؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم، قد انتهت بهم آجالهم فردوا على ماقدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقاوة أو السعادة بعد الموت، ألا إن الله لاشريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ولايصرف به عنه سوءًا، إلا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ماعنده لايدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النارولاتبعد عنه الجنة [1] ، وفي هذه الخطبة دروس وعبر منها:
أ-بيان طبيعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس خليفة عن الله بل عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه بشر غير معصوم لايطيق مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبوته ورسالته، ولذلك فهو في سياسته متبع وليس بمبتدع أي أنه على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بالعدل والإحسان [2] .
ب-بيان واجب الأمة في مراقبة الحاكم لتعينه في إحسانه وصلاحه وتقومه وتنصحه في غير ذلك، ليظل على الطريق متبعًا غير مبتدع.
(1) البداية والنهاية (6/305) .
(2) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص423.